الصفحة 84 من 200

الحق أن مثل هذه البيئة بما تمتاز به من شدة الميلان الجنسي والتهيج الدائم والتحريك المستمر، لا بد أن يضعف فيها النسل، ويفسد نمو القوى البدنية والعقلية، وتتوزّع الأفكار وتتشرد الأذهان [1] ، وتكثُر الفواحش وتعم الأمراض السرية، وتقوم الحركات المختلفة لمنع الحمل وإسقاطه، وقتل الأولاد. ويعود الرجال والنساء يخالط بعضهم بعضًا كالبهائم، بل استعملوا الميلان الجنسي الذي قد جعلت الفطرة حظهم منه أكثر من سائر الحيوان، فيما يناقض مقاصد الفطرة وينافيها ويبذّوا في بهيميتهم كل أنواع الحيوان حتى القردة والماعز، وهذه البهيمية الشديدة الطاغية لا جرم أن تهدم التمدن والحضارة، بل تهدم الإنسانية نفسها، ومن استرسل فيها من الناس حري بأن يتعثر بهم الانحطاط الخلقي في حضيض من الذلّة، لا ينهضون منه أبد الدهر.

ومثل هذا المصير لا بد أن يلقاه التمدن الذي يختار جانب التفريط فكما أن إفراد الميلان الجنسي وتجاوزه حد الاعتدال ضار، كذلك كبته وتذليله فوق الحد المعقول ضار. وإن النظام التمدني الذي يدعو الإنسان إلى العزوبة الدائمة والرهبنة وإماتة الشهوة بالرياضات والمشاق، فإنه يحارب الفطرة، والفطرة لا تُغلب بل تَغلب، وتجحف بمن عارضها. أما تصور الرهبنة الخالصة، فمن البديهي أنه لا يمكن أن يكون أساسًا لتمدن بشري، لأنه في الحقيقة مناف للتمدن والحضارة. ولا ريب أنه يمكن بإثبات تلك التصورات الرهبنية في النفوس أن تنشأ في المجتمع بيئة خلو من مؤثرات الشهوة، تُجعل العلاقة الجنسية فيها شيئًا محتقرًا مستشنعًا في ذاته، ويقرر اجتنابها معيارًا للفضيلة، ويحاول بكل الوسائل الممكنة أن يكبت هذا الميلان في نفس الإنسان. ولكن الحق أن انكبات هذا الميلان الجنسي في الإنسان معناه انكبات الإنسانية فيه حقًا؛ لأن هذا الميلان لن يهن ولن يتراجع وحده، بل سيراجع معه ذكاء الإنسان وقوته العلمية وموهبته العقلية وعزيمته وجرأته وهمته وشجاعته، وبوَهن هذا الميدان ستتراخى في الإنسان جميع قواه ومقدراته، ويبرد فيه الدم ويجمد، ولن يعود أهلًا للترقي والنهوض. وذلك لأن أكبر القوى المحرّكة في الإنسان هي هذه القوة الجنسية بلا نزاع.

(1) مما كتبه بعض الأطباء: إن زمن البلوغ يدخل على الإنسان بكثير من التغيرات الهامة. فتعتري أفعال نفسه وجسده المختلفة خلاله حالة انقلابية، وتحصل فيه النشأة والنمو من جميع الوجوه. ولاحتمال تلك التغييرات الواقعة في جسده، وقبول تلك النشأة والنمو، يحتاج المرء في هذه الآونة إلى استيعاب كل قوته. ومن هذا تنقص فيه المكافحة للأمراض. وهذا العمل الطويل -من النمو العام ونشأة الأعضاء وحدوث التغير في الجسم وفي النفس- الذي يتنقل بالإنسان من طور الصبا إلى طور الرجولة، عمل متعب شاق، تكون طبيعة المرء في أثنائه في كد وكدح، فلا يجوز أن يحمل عليها في تلك الحالة حمل باهظ، ولا سيما العمل الجنسي والهيجان الشهواني اللذان هما يضران بها أبلغ الضرر.

ويكتب عالم ألماني شهير في علوم النفس والعمران: إن الأعضاء الجنسية لكونها تحت تأثير هيجان غير عادي ( Sensation) لحاسة اللذة والشبق في الإنسان، تكون مستعدة أبدًا لاجتذاب جانب كبير من قواه الذهنية إلى نفسها أو قل لغصبها والاستبداد بها. فهي إن قويت في المرء وغلبت عليه، تشغله بالمتع واللذا الفردية بدلًا من خدمة التمدن.

وهذه المنزلة الخطيرة لتلك الأعضاء في جسم الإنسان يمكنها أن تنحرف بحياته الجنسية، كلما غفل، عن جادة القصد والاعتدال وتبدل نفعها له ضررا فيجب لذلك أن يكون أهم غايات التعليم أن يوصد باب هذا الخطر العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت