وبالطبع ينبعث هنا في ذهن اباحث السؤال عن مقصود الفطرة ومطلوبها، ماذا هو؟ وأنّى نجده؟ وهل قد خُلّي لنا في الأمر، وتُركنا نخبط في الظلام لنضع أيدينا على ما نشاء، فنقرّر أنه مقصود الفطرة؟ أم نحن لا ندرك هذا المقصود إلا بالتأمل في نواميسها؟ ولعل أكثر الناس يقولون بالأولى، فيُطلقون على كل ما تهوى أنفسكم حكم مقصود الفطرة، بدون أن ينظروا في نواميسها. ولكنه إذا خرج باحث يلتمس وجه الحقيقة فإنه لا يخطو في سبيله خطوات حتى يُخيّل إليه أن الفطرة نفسها تدله وتشير له إلى غايتها ومقصودها.
فما هو بديهي معلوم أن مقصود الفطرة الرئيسي من خلق الإنسان أزواجًا كجميع الأنواع الحيوانية، ومن وضعها الجاذبية الجنسية فيهما، هو بقاء النوع. ولكن الفطرة لا تطالب الإنسان بهذا وحده، بل هي تطلب منه وراء ذلك أمورًا، نستطيع بقليل من التأمل أن نعرف ما هي تلك المطالب، ومن أي نوع هي؟
إن أول ما يُلتفت إليه بهذا الصدد، هو كون الطفل الإنساني يختلف عن أولاد سائر الحيوان، من حيث اقتضاءه وقتًا أكثر وعناية أبلغ وعملًا أتعب، لأجل رعايته وتربيته. وإن نحن فرضناه وجودًا حيوانيًا محضًا، فإنا نجد حتى في هذه الصورة المفروضة أنه يستغرق أعواما متعدد قبل أن يستطيع القيام بقضاء حوائجه الحيوانية، كالتماس قوته والمدافعة عن نفسه، ويكون الضعف والعجز في السنتين أو السنوات الثلاث الأولى من عمره بحيث لا يمكنه حتى أن يحيا ويعيش بدون عناية مطردة من أمه.
ولكن الظاهر أن الإنسان، مهما كان ممعنًا في توحشه، ليس بالحيوان فحسب، بل لا بد لحياته من مدنية من أية درجة كانت. وهذه المدنية تضيف إلى واجبه الفطري من تربية الأولاد، واجبين آخرين: أولهما أن يستخدم لتربية ولده كل ما يتيسّر له من وسائل التمدن. والثاني أن يربيه تربية تؤهله لتدبير شؤون التمدن في المحيط المدني الذي وُلد فيه، ولأن يقوم مقام العاملين السابقين فيه.
ثم إنه كلما كان التمدن أعلى درجة وأزهى رقيًا، كان هذان الواجبان أثقل عبئًا وأفدح خطبًا، فبجانب تكثر الوسائل اللازمة لتربية الأولاد على مضي الأيام. وبجانب آخر لا يكتفي التمدن بطلب العاملين ذوي الثقافة العالية لقيامه وبقائه، بل هو يقتضي لأجل نموه وارتقائه أن يكون كل جيل لاحق أعلى رتبة وأكمل أداة من الجيل السابق، وبعبارة أخرى يطلب من كل مرب أن يربي ولده تربية أحسن من تربيته وينشئه على مستوى أعلى من مستواه. وناهيك بهذا الإيثار العظيم الذي يستنزل المرء حتى عن عاطفة حبه لذاته!