الصفحة 87 من 200

هذه هي مطالب الإنسانية. وأول من تُوجه إليه هذه المطالب هي المرأة. وذلك أن الرجل قد يكون منه أن يتصل بالمرأة ساعة من الزمن، ثم يبتعد عنها وعن تبعة ذلك الاتصال. ولكن المرأة لا تستطيع أن تُفلت من نتيجة اتصالها بذلك الرجل عدة من السنين، بل مدة العمر غالبًا. فإنها إن حملت، لا تفارقها نتيجة ذاك الاتصال بحال من الأحوال مدة خمس سنوات على الأقل. ثم إن أرادت المرأة أن تقوم بجميع مقتضيات التمدن، فمعناه أن تظل المسكينة التي ذاقت عُسَيلة الرجل ساعة من الزمان، مثقلًا كاهلها بتبعات الفعل مدة خمسة عشر عاما علاوة، فتتساءل النفس في هذا المقام: كيف يكون لأحد الفريقين أن يستعد لقبول تبعة الفعل الذي قد اشتركا فيه جميعًا. وأنّى للمرأة أن ترضى النهوض بهذا الأمر الفادح ما لم تتخلّص من خشية الغدر من قِبل شريكها في ذاك الفعل، وما لم تطمئن نفسًا من جهة تربية أولادها، ثم ما لم تُعْفَ عن العمل لكسب حوائج حياتها إلى حد كبير. فالحمل لامرأة لا قيّم لها من الرجال خَطب جلَل ونكبة عظيمة، بل هو آفة الآفات من الطبيعي أن تبغي نفسها التخلص منها. وأنّى يكون لها لعمر الله أن ترحب بها وتهش إليها؟!

لذلك إن وجب بقاء النوع وقيام التمدن فواجب لا محالة على الرجل الذي يلقح امرأة من النساء، أن يشاركها أيضًا في القيام بتبعات الأمر. ولكن ما السبيل لإقناعه بقبول هذه الشركة وهو قد فُطر على الأثرة وحب مصلحة الذات. أما الواجب الطبيعي من إبقاء النوع، فقد فرغ من نصيب عمله منه ساعة ألقح المرأة. فيلازم الحمل بعد ذلك المرأة وحدها، ولا يكون له شأن مع الرجل. ثم إن الرجل لا تدفعه النزعة الجنسية أيضًا إلى أن يعاشر تلك المرأة نفسها. فإنه إن شاء هجرها إلى الثانية، وهجر الثانية إلى الثالثة، ومضى هكذا ينثر بذره ههنا وههنا لذلك فلو ترك الأمر إلى رضاه، فلا مُسوغ لأن يرضى القيام بهذا العبء بطيبة نفسه. فماذا عساه -يا ترى- يحمله على أن ينفق ثمرات جهوده على هذه المرأة والولد؟ ولماذا يقيم على حب هذه الحُبْلى البطينة، ولا يفارقها إلى غادة خمصانة؟ ولماذا يربي مضغة لحم نكد على نفقته؟ ولماذا يحْرم نفسه النومة الهادئة بصياح الخبيث وصراخه؟ ويترك هذا الشيطان الصغير يحبو في بيته ويعبث بكل ما تقع عليه يده، فيسبب له الخسائر، ثم يبثّ في أطرافه القذر ولا ينجح فيه نهي أو زجر؟!

إن الفطرة نفسها قد عالجت هذه المسألة إلى حد ما، فخلقت في المرأة ميزة الجمال والصباحة، وصفة الإمتاع والتسلية، وملكة الإيثار والتضحية في سبيل الحب، لكي تنتصر بهذه الأسلحة على الفردية الأنانية في الرجل وتصبي فؤاده وتمتلك عليه لبّه. وقد جعلت في الولد أيضًا قوة عجيبة للتسخير، لكي يسبي أبويه في حبه على رغم حماقاته المسخطة، الموجبة للخسائر. ولكن ليست هذه كلها من الأمور التي تكفي وحدها في أن تدفع قوتها الإنسان إلى احتمال الخسارة والأذى والتضحية عمرًا من السنين، لأجل القيام بواجباته الخلقية الفطرية التمدنية. فإن الإنسان لا شك يلازمه أيضًا عدوه الأزلي، الشيطان، الذي لا يزال يتحيّن الفرصة كل حين ليعدل به عن جادة الفطرة، والذي لا تزال جعبة كيده مملوؤة بفنون من الأدلة والتسويلات لاستغواء بني آدم من كل جيل، وفي كل زمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت