إنه من معجزات الدين حقًا أنه يحض الإنسان -بصنفيه- على التضحية والبذل لأجل مصالح النوع والتمدن ويحول هذا الحيوان الأناني إلى إنسان، ثم يحفزه على الإيثار. وأن الأنبياء والمرسلون هم الذين فهموا مقاصد الفطرة فهما صائبًا، فقرّروا الصورة الصحيحة للتعلق الجنسي بين الرجل والمرأة ولتعاونهما في شؤون التمدن، وهي النكاح. وهم الذين جرت على أيديهم سنة النكاح في كل أمة، وفي كل ربع من ربوع الأرض. وما هو إلا بفضل المبادئ الخلقية التي نشرها أولئك الرسل أن تمكن الإنسان من الاستعداد الروحي الذي يقويه على احتمال متاعب هذه الحياة وخسائرها. وإلا فمن ذا ترونه أحق بأن يكون عدوًا للطفل من والديه؟ وعلى قواعد الاجتماع التي وضعوها تأسس النظام العائلي الذي يُرغم سطانه القوي الفتية والفتيات على التزام هذه الرابطة القائمة على المسئولية وهذا الاشتراك العملي في شؤون الحياة. وإلا فإن مطالب شبابهم البهيمية تكون بالغة من الشدة أن لا يكاد يمنعهم الشعور بالتبعة الخلقية وحده -بغير التأديب الخارجي- من الانطلاق مع شهواتهم بدون قيد. إن غريزة الشهوات في نفسها حرب على الجماعة ( Anti Social) ، وهي نزاعة إلى الأثرة والفردية والفوضى، وليس لها ثبات أو قرار، ولا فيها شعور بالمسئولية وهي لا تحرّك المرء إلا للتمتع باللذة العارضة، وليس من اليسير الهيّن تسخير هذا العفريت لخدمة مصالح الحياة الاجتماعية هذه الحياة التي تتطلب الصبر والثبات والجهد والبذل والشعور بالمسئولية والكدح المستمر. فليس غير قانون النكاح وغير نظام الأسرة يُذلل هذا العفريت وينتزع منه مصادر الخبث والفوضى والانتشار، ويجعله أداة لتعاون الرجل والمرأة واشتراكهما العملي الدائم الذي لا بد منه لتعمير الحياة الاجتماعية. فإن ينعدم هذا القانون، وهذا النظام العائلي، تتلاش حياة الإنسان المدنية ويصبح الأناسي يعيشون عيشة الأنعام، حتى يمحي نوعهم من صفحة هذا الوجود.