الصفحة 89 من 200

فالطريق الذي تريد الفطرة نفسها أن يفتح لقاء مطالب الإنسان الفطرية، بعد منع الميلان الجنسي فيه من الفوضى والانحراف، ما هو إلا أن يكون بين الرجل والمرأة اتصال أبدي بصورة النكاح، وبكون هذا الاتصال بينهما أساسًا للنظام العائلي. وهذا النظام العائلي هو الذي يهيء للتمدن كل ما يحتاج إليه من الآلات المسيّرة لنظامه الواسع. فما يبلغ الفتية والفتيات في الوسط العائلي سن البلوغ حتى يهتم رؤساء الأسرة بأن يلتسموا لهم أزواجا يوافقونهم أكثر حتى ينتجوا بتواصلهم نسلًا أعلى وأجود. ثم متى أنسلوا نسلا يجتهد كل عضو من أعضاء هذا النظام العائلي برغبة قلبية صادقة أن يربّيه أحسن التربية فيجد الطفل في محيط العائلة، مذ يفتح عينيه في هذه الدنيا، بيئة من الحنو والعطف والرعاية والتعهد والتربية، تكون لنموه ونشأته كالماء الفرات البارض النبات. والحق أن محيط العائلة هو الذي يمكن أن يجد فيه الطفل نفوسًا تحبه وتعطف عليه بل من يودّون من صميم قلوبهم أن يبلغ الطفل في حياته مكانة اجتماعية أعلى من التي ولد عليها وأنهما الأبوان اللذان يُحبان أن يجدا الأولاد في حال أحسن من حالهما وعلى مكانة أرقى من مكانتهما، فيجتهدان من أنفسهما -بدون شعور أو إرادة- أن يجعلا الجيل اللاحق أحسن من السابق، ويمهدان بذلك سبيل الارتقاء الإنساني. وهذا الجهد والسعي منهما لا تشوبه شائبة من الأثرة. فإنهما لا يريدان شيئًا لأنفسهما وإنما يريدان فلاح ولدهما ويعتبران نشأته إنسانًا ناجحًا جيد التربية جزاء وافيًا لمساعيهما وجهودهما. وأنى يمكنك أن تجد في غير النظام العائلي أمثال هؤلاء العاملين المخلصين ( Labourers) والخادمين الأوفياء ( Workers) الذين لا يكفيهم أن يعملوا لمصلحة النوع الإنساني بدون أجر، بل يبذلون لهذه الخدمة كل ما يملكون من الوقت والراحة والقوة الكفاءة وذات اليد. ويضحون بأنفس ما يملكون في سبيل الأمر الذي لا تنال ثمراته إياهم، بل ينتفع بها غيرهم، ويكتفون من الجزاء لمجهوداتهم بأنهم قد هيؤوا لغيرهم عاملين وخادمين من النمط الحسن: أفتجد نظامًا أطهر وأرقى في الإنسانية من هذا النظام العائلي.

هذا ويحتاج النوع الإنساني لبقائه، والتمدن الإنساني لاطراده وارتقائه كل سنة إلى ملايين من الأزواج يتقدمون للقيام بهذه الخدمة وتبعاتها راضين مختارين. فيتعاقدون بينهم النكاح ويؤسسون المزيد من الأسر. وهذا المعمل التمدني العظيم الذي هو جار أمامك في هذا الدنيا ما كان ليجري ويرتقي ما لم يظل أمثال أولئك العاملين المتطوعين يتقدمون دائمًا لهذه الخدمة، ويهيئون الأيدي العاملة لهذا المعمل. وإن انقطعت سلسلة هذا التطوع، وغدا العاملون السابقون يتنحون عن العمل بفعل الأسباب الطبيعية، فلا جرم أن ينقص عدد العمال مع الأيام. ويأتي على الوجود حين من الدهر تعود قيثارته بلا أوتار تنغم. فكل من يعمل لتسيير هذا المعمل التمدني، فليس واجبه أن يسيّره في حياته هو وكفى، بل يجب عليه كذلك أن يعنى بإعداد أمثاله من العاملين الذين يقومون مقامه من بعده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت