وإن أنت تدبرت الأمر من هذه الوجهة، وجدت أن أمر النكاح لا ينحصر في أنه الصورة الشرعية الوحيدة لإرواء الغليل الجنسي، بل هو في الواقع فريضة جماعية، وحق فطري للجماع على الفرد وما كان الفرد ليجعل إليه الفصل في أن يعقد عقدة النكاح أو لا يعقد، وأن الذين يأبون عقد النكاح بدون عذر معقول هم في الحقيقة حميلة على المجتمع، طفيليون ( Parasites) بل هم غدرة متلصصون. ذلك أنه ما من نفس إنساني ولد على هذه الأرض إلا وقد استفاد، من لدن بدء حياته إلى سن شبابه، من الثروة العريضة الواسعة التي هيأتها له الأجيال السالفة، ما شاء الله أن يستفيد، ولم يتمكن من بقائه ونموه ونشأته في الصفات الإنسانية إلا بفضل النظم والمؤسسات التي أقاموها. فبقي في أثناء هذا كله يأخذ ويستمد ولا يُعطي ولا يُمد وأنفقت الجماعة قوتها وثروتها لتكميل قواه الناقصة رجاء أن يكافئها يوم يقدر على المكافأة. فهو الآن، وقد اشتد ساعده، إن كان يطلب لنفسه الحرية الذاتية والاستقلال، ويقول: إني لست فاعلا شيئًا إلا أن أقضي شهواتي فحسب، ولن أقوم بما يتبع هذه الشهوات من التبعات والواجبات، فإنه لا شك غادر بالجماعة خداع لها، وكل لحظة من لحظات حياته بين الجماعة ظلم وعدوان. ولو أن للجماعة حظًا من الشعور لحكمت عليه حكم السرقة واللصوص وأهل الغش والتزوير بدل أن تكرمه وتدعوه سيدًا أو آنسة أو أستاذًا محترما. إننا لا شك قد توارثنا كل الثروة والذخيرة التي قد تركتها الأجيال السالفة -أردنا ذلك أم لم نُرده- فكيف يجوز لنا الآن أن تكون لنا الحرية كل الحرية في أمر القانون الفطري الذي قد وافانا هذا الميراث بموجبه فنكون مختارين في أن نحقق مقصود ذلك القانون، أو لا نحقق، وأن نُعدّ الجيل الذي يرث هذه الثروة والذخيرة التي خلّفها النوع الإنساني أو لا نُعد، وأن نربي نفوسًا آخرين -كما رُبّينا نحن- لتعهد تلك الثروة والقيام عليها أو لا نفعل!