الصفحة 91 من 200

وبجانب النكاح وتشكيل العائلة، يجب أيضًا أن يُسد باب قضاء الشهوات الجنسية خارج حصن النكاح سدًا محكما، لأنه لا يمكن أن يتحقق بدونه مقصد الفطرة الذي تستلزم لأجله النكاح وتشكيل العائلة.

وأكثر الناس في هذه الجاهلية الجديدة أيضًا، كأهل الجاهلية القديمة، يعدّون الزنى فعلًا طبيعيًا، ويعتبرون النكاح من مخترعات التمدن أو من حشوه وزوائده. فمن رأيهم أن الفطرة كما خلقت كل نعجة لكل كبش، وكل كلبة لكل كلب، كذلك قد خلقت كل امرأة لكل رجل في هذا العالم. وما الطريق الفطري إلا أن يقع الاتصال الجنسي بين كل فردين من الجنسين، كلما اشتهياه وتمكنا منه وتراضيا عليه، شأن اثنين من الحيوان. ولكن الحقيقة أنهم يخطئون خطأً بينًا في التعبير عن الفطرة الإنسانية. وذلك أنهم قد زعموا الإنسان حيوانا محضًا. فكلما ذكروا الفطرة والطبع أرادوا بها فطرته الحيوانية لا فطرته الإنسانية. والعلاقة الجنسية المطلقة التي يعبرون عنها بالفعل الطبيعي لا شك أنها طبيعية بالنسبة للحيوان، ولكنها ليست من الفطرة في شيء للإنسان. إنها لا تخالف فطرته الإنسانية وحدها، بل تخالف، من حيث نتائجها، فطرته الحيوانية أيضًا وذلك أن الإنسانية والحيوانية ليستا شيئين متباينين في الإنسان بل هما يمتزجان في وجود واحد، ويؤلفان بمزيجهما فيه شخصية واحدة، وترتبط مقتضياتهما في تلك الشخصية بعضهما ببعض ارتباطًا يجعل الإعراض عن مقصد إحداهما إخلالًا بمقصد الأخرى بالتبع.

ويرى المرء الزنى في ظاهر أمره يقضي حاجة الفطرة الحيوانية على الأقل، لأن غاية التناسل وبقاء النوع تتحقق بمجرد الوظيفة الجنسية سواء أحصلت داخل حظيرة النكاح أو خارجها ولكنك إن ترجع البصر إلى ما ذكرناه آنفًا، يتبين لك أن هذه الفعلة ضررها بمقتضى الفطرة الحيوانية في المرء كضررها بمقتضى الفطرة الإنسانية فيه. ذلك بأن فطرته الإنسانية تقتضي أن يكون لعلاقته الجنسية ثبات ودوام، حتى يشترك الأبوان في تربية الطفل، ويقوم لوالد بكفالة الولد وأمه، مدة من الزمان. ولكن المرء إن لم يكن على ثقة من كون الولد من صلبه هو لم يرض أبدًا أن يتكلف في تربيته الجهد والإيثار ولا رضي للولد أن يرث تركته. وكذلك إن المرأة إن لم تكن على يقين من أن الرجل الذي يلقحها، مستعد لكفالتها وكفالة ولدها، لم ترض أبدًا أن تعاني متاعب الحمل. ثم إن لم يتعاون الأبوان على تنشئة الولد، لم يمكنه أن يبلغ في تعليمه وتربيته ومكانته الخلقية والعقلية والاقتصادية مبلغًا يجعله عاملًا مفيدًا للتمدن الإنساني. كل هذه مقتضيات الفطرة الإنسانية في ابن آدم. فإذا أهملها الرجل والمرأة وجاءا يتعلقان بعلاقة جنسية عارضة، كأنواع الحيوان فإنهما لا ريب يهملان مقتضى الفطرة الحيوانية أيضًا -وهو التوليد والتناسل، بل تكون غايتهما من العلاقة الجنسية إذ ذاك مجرد التلذّذ والتمتع وإرواء غليل الشهوات، مما هو مخالف لمقصود الفطرة أصلا.

ويستضعف أصحاب الجاهلية الجديدة لأنفسهم هذه الناحية من العلاقة الجنسية المطلقة، فتراهم يضيفون إلى حججهم لتبريرها حجة أخرى بقولهم: لو أن اثنين من أفراد الجماعة يقضيان بعض ساعاتهما في المتعة والسلوة، فأي خير في ذلك على المجتمع حتى يتدخل فيما بينهما! إن المجتمع لا ريب يجوز له التدخل في أمرهما إن كان فيه إكراه من جانب للآخر، أو قصد أحدهما فيه إلى الخديعة، أو سبّب قضية تمس مصلحة الجماعة. ولكنه إن لم يكن هناك شيء من ذلك، وانحصر الأمر بين شخصين في تمتع أحدهما بالآخر، فأي مبرر للمجتمع حتى يحول بينهما؟ وإن جاز التدخل في مثل هذه الشؤون الذاتية للناس، فما الذي يبقى إذًا من معاني الحرية الشخصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت