الصفحة 92 من 200

هذا التصور للحرية الشخصية من جهالات القرن الثامن عشر والتاسع عشر، التي ينقشع ظلامها مع أول إشعاعة من نور العلم والتحقيق. فبقليل من التأمل والتفكير قد يفهم المرء أن الحرية التي يطلبونها للأفراد، لا مساغ لها في الحياة الجماعية. ومن شاء ذلك النوع من الحرية، فليقصد الغابات ورؤوس الجبال وليعش هناك عيش أوابد الحيوان. فإن الاجتماع الإنساني عبارة عن نسيج من العلائق والروابط، قد اشتبكت فيه حياة كل فرد واحد بأفراد آخرين لا يحصون، فتتأثر بهم وتؤثر فيهم. ومع مثل هذه الصلات الشابكة بين مختلف الأفراد، لا يمكن أن يعد أي فعل من أفعال الإنسان فعلًا شخصيًا وفرديًا محضًا ولا يكاد يتصور عمل شخصي لا تعود آثاره في جملتها إلى الجماعة، بل ليس من خاطر يخطر ببالنا -دع عنك أفعال الأعضاء والجوارح- إلا يؤثر في أنفسنا، وينعكس منها إلى غيرنا فيؤثر فيهم. وكذلك ليست حركة من حركات أجسامنا وقلوبنا إلا وتنتقل منا نتائجها، وتمتد إلى حيث لا يبلغ علمنا. وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يجوز القول بأن استعمال أحد من الأفراد قوته لا يؤثر إلا في نفسه، ولا يتعلق في شيء بغيره، ولذلك ينبغي أن يكون حرًا في أمره. وإن كان أحد لا يؤذن له في أن يأخذ بيده عصاه ويمشي في السوق يديرها كيف يشاء، أو يحرك قدميه ويلج على الناس المنازل والبيوت على هواه، ويسوق سيارته في الزحام بغير حيطة أو حذر، أو يجمع في بيته كل ما شاء من وسخ أو قذر نقول إن كانت هذه وأمثالها من تصرفات المرء الشخصية مما يجب أن يقيد بالضوابط الاجتماعية، فما بال قوته الجنسية وحدها أن تشرّف بالإطلاق من كل قيد أو ضابط اجتماعي، فيُباح للرجل أن يستعملها كيف يريد.

أما القول بأن اللذة التي يتمتع بها الرجل والمرأة في مكان متوار عن الأنظار، لا يكون لها من تأثير في الحياة الاجتماعية، فمن جهل الأحداث الأغرار. الحق أن أثرها لا ينحصر في المجتمع الذي ينتميان إليه فحسب، بل يجاوزه إلى الإنسانية جمعاء، ولا تقتصر آثارها السيئة على الجيل الحاضر وحده، بل نتعداه إلى الأجيال القادمة. فإن الرابطة الاجتماعية والعمرانية التي قد ارتبطت فيها الإنسانية برمتها، لا يشذّ عنه أي فرد من الأفراد، وفي أي حال كان، وفي أي خِدْر احتجب. إنه يكون مرتبطًا بحياة الجماعة وهو من وراء الجُدْر وداخل الأبواب المغلّقة، كما يكون مرتبطًا في زحمة السوق وفي حفل المجمع. إنه وقت ما يكون مشتغلًا في خلوته بتضييع قوة توليده في لذة عارضة عقيم، يكون في الحق عاملا لإشاعة الفوضى في الحياة الاجتماعية ولتضييع حق النوع الإنساني وإيراث الجماعة ما لا يُحصى من المضار المادية والتمدنية. وإنه لأثَرته وأنانيّته هذه يفت في ساعد جميع النظم والمؤسسات التي قد انتفع بها من حيث هو فرد من أفراد الجماعة، ولكن أبى أن يقوم بنصيبه من العمل لقيامها وبقائها. إن الجماعة قد أقامت جميع المؤسسات من البلدية إلى الدولة ومن المدرسة إلى الجندية، ومن المصانع إلى مجالس التحقيق العلمي، معتمدة على أن كل من يتمتع بها من أفرادها سيؤدي نصيبه المفروض في إحكامها وترقيتها. ولكنها لما جاء هذا الخائن الغدّار يستعمل قوته الجنسية بحيث لم يقصد بها القيام بواجبات التوليد والتناسل وتربية الأولاد، فكأنه قطع -على حد ما نواه- دابر ذلك النظام بضربة واحدة وفسخ ذلك العقد الاجتماعي الذي كان مشتركا فيه باعتبار إنسانيته عينها. وحاول بذلك أن يلقي عِبأه على غيره بدل أن ينهض به بنفسه. فلم يكن إذًا من كرام الناس، بل هو خائن متلصّص نهّاب، والتسامح في أمره ظلم للإنسانية جمعاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت