إن مكانة الفرد في المجتمع، إن فهمت حقيقتها حق الفهم، لم تشك في أن كل قوة من القوى، أودعتها أجسامنا ونفوسنا، ليست لأنفسنا وحدنا، بل هي وديعة للإنسانية جمعاء عندنا. ونحن مسئولون في هذه بين يديها. فنحن حين نُهلك نفوسنا أو نضيّع قوة من قوانا، أو نضرّ بأنفسنا من سيئات أعمالنا، لا يكون فعلنا هذا فعل من أضاع أمرًا كان يملكه، أو أضرّ بشيء كان له التصرّف فيه، بل يكون ذلك منا بمثابة خيانة في ما ائتمنّا عليه للعالم الإنساني أجمع، وإضرار بالنوع الإنساني برمّته. وذلك أن وجودنا في هذا العالم يشهد نفسه بأن غيرنا تحملوا أعباء التبعات والمشاق، فأخرجونا من ظلمات العدم إلى نور الوجود. ثم جاء نظام الدولة يرعانا ويصون نفوسنا من التلف، وبقيت أقسام حكومتنا الصحيحة تعمل لحفظ حياتنا وصحة أبداننا. ثم توفرت آلات مؤلفة من النفوس على تهيئة حاجاتنا ولوازم حياتنا، وتعاملت جميع المؤسسات الاجتماعية لتنشّئ قوانا وتربي ملكاتنا، حتى جعلتنا على ما نحن عليه الآن. أفمن جزاء الحسنة بالحسنة أو من العدل والنصفة أن نعود فنضيّع تلك القوى التي قام غيرنا بكل هذه الخدمة لأجل إيجادها وإبقائها وتنشئتها وإنمائها، أو نجعلها مضرة بالإنسانية بدل أن نجعلها نافعة لها؟ لأجل هذا قد حُرّم الانتحار. ولهذا السبب قال أعظم الحكماء: إن ناكح اليد ملعون. ولهذا قرّرت سوأة قوم لوط من أعظم الجرائم. ثم لهذه العلة لا يعتبر الزنى أيضًا متعة ومسلاة فردية، بل يُعدّ ظلمًا للجماعة الإنسانية كلها.
وهيا بنا الآن نتأمل: كم من مظلمة اجتماعية تمتّ إلى الزنا برَحِم ماسة:
1 -إن أول ما يجنيه الزاني من عمله هذا هو أنه يُعرّض نفسه لخطر الإصابة بالأمراض السرية القاتلة. وبذلك لا ينقص مما في قواه من المنفعة العامة فحسب، بل يجر على الجماعة والنسل أيضًا ضررًا بالغًا. وإن مرض السيلان الذي هو أول ما يُبتلى به الفاجر، يقول فيه الأطباء: إن هذه القرحة في الإحليل قلّما تندمل، ولا يخلص من أذاها الإنسان إلا في النادر. ومن قول طبيب نطاسي:"من أصيب بالسيلان مرة أصيب به للأبد". وهذه العاهة كثيرًا ما تئف الكبد والمثانة والخصيتين وغيرها من الأعضاء، وتسبب وجع المفاصل وأمراضًا أخرى، كما أنها قد تُسبّب العقم الأبدي. ثم إنها من الأمراض السارية من نفس إلى آخر. وأما مرض الزهري فمن منا لا يعلم أنه يسمّم نظام الجسد كله، ولا يبقى من قمة الرأس إلى أخمص القدم عضو من أعضاء الجسد، غير متأثر بسمومه وأذاه. وهذا المرض لا يُبيد قوى المريض وحده، بل يتعداه إلى من لا يُحصى من النفوس الأخرى بطرق شتى. ثم ينتقل من المريض إلى أولاده وأولاد أولاده، فيعانون أذاه بلا ذنب يجنون، والأولاد الصم البكم العمي المجانين، هم من أهون ثمرات ساعات اللذة القلائل تلك التي عدها الأب الظالم أعز ما في حياته.