2 -وإذا لم يكن حتمًا ابتلاء كل زان بالأمراض السرية، فمن اللازم المحتوم ابتلاؤه بالسفاسف الخلقية التي تتعلق بهذا الإثم بالضرورة فالوقاحة والخديعة والكذب والدغل والاثرة والخضوع للشهوات وجموح النفس وتشرّد الفكر وذوّاقية الطبع وتطلعه إلى كل جديد، والغدر وقلة الوفاء كل أولئك من آثار الزنا التي تترتب على أخلاق الزاني نفسه وما لا شك فيه أن من يجمع في نفسه هذه الخصال، لا تنحصر آثار سفاسفه الخلقية في الشؤون الجنسية فحسب، بل هو يُتحف الجماعة بهذه الخصال لا غير في كل شعبة من شعب الحياة. وإن كانت هذه الخصال قد ربت ونمت في كثرة كاثرة من أفراد الجماعة، فلا جرم أن يفسد بها كل من الآداب والعلوم والفنون والملاهي والألعاب والصناعات والمهن والاجتماع والاقتصاد، والسياسة والقضاء، والخدمة العسكرية وتدبير الدولة. ومن اللازم في النظام الديمقراطي خصوصًا، أن يكون لكل صفة من صفات الأفراد أثر باد في حياة الأمة كلها. فإذا كانت أمة من الأمم لا يتصف أفرادها بثبات في الطبع، وكانت أكثر أجزاء تركيبها متجردة من خلال الوفاء والإيثار وضبط الشهوات، فأنّى يكون في سياستها قرار أو ثبات؟!
3 -ومما تستلزمه إباحة الزنى أن تجري في المجتمع حرفة البغاء. وذلك أن من يقول بأن لرجل شاب حقًا في أن يمتّع نفسه بلذات الشباب فكأنه يقول مع ذلك بأن تكون في المجتمع لهذا الغرض طبقة من الإناث تكون في أسفل الذل والمهانة بكل اعتبار. ولكن من أين تأتي أولئك النساء؟ أفلا يخرجن من هذا المجتمع الذي يعيش فيه؟ أولا يكنّ من بناته هو وأخواته؟ بلى، لا بد أن تنفر من أولئك النساء اللاتي تجدر كل واحدة منهن بأن تكون ربة بيت ومؤسسة عائلة ومربية أولاد، طائفة إلى حي البغايا، ليكنّ كمراحيض البلدية موضع قضاء الوطر لكل خليع داعر ويتجرّدْن من جميع الخصائص النسوية الشريفة، ويتدربن على التكسب بالغنج والدلال، ويسغلن إلى أن يبعن محبّتهن وقلوبهن وأجسامهن، ومحاسنهن ومفاتنهن، لكل زائر جديد في كل ساعة، ويبقين مدة أعمارهن أداة لقضاء شهوات غيرهن، بدل أن يقمن بخدمة نافعة مثمرة للمجتمع.
4 -وإباحة الزنى لا جرم تضرّ بضابط النكاح التمدني، بل يؤول بها الأمر إلى أن يزول النكاح ويبقى الزنى وحده. وذلك أنه يعود الميالون إلى الزنى -رجالًا ونساء- قلما يصلحون لأن يحيوا حياة زوجية صالحة. لأن هذا السلوك العملي الفاسد يبعث في نفوسهم من سوء الدِخْلة وفجور النظر وذواقية الطبع وتشرد الفكر، ويُربي فيهم من تلون العواطف وعدم ضبط الشهوات، ما هو أقتل من السم لتلك الصفات التي هي ضرورية للعلاقة الزوجية الصحيحة بين الرجل والمرأة. فهؤلاء إن ارتبطوا برابطة الزواج، فلن تتحقق بين الزوجين منهم تلك الصلة من حسن المعاملة والمحبة والوفاء والثقة والاعتماد، والمواءمة والانسجام، التي تنتج نسلًا جيدًا وتنشئ بيتًا معمورًا بالراحة والسعادة. ثم إن البيئة التي يكون فيها الزنى هينًا ميسورًا، لا يمكن أن تدوم فيها طريقة النكاح المحببة للتمدن، إذ ما بال الذين تتيسر لهم فرص قضاء الشهوات النفسية بدون أن يلزموا أنفسهم بتبعات، يتحملون أعباء التبعات والواجبات بعزمهم عقدة النكاح.
5 -وإباحة الزنى وترويجه لا يقطع دابر التمدن والعمران فحسب بل يستأصل النسل الإنساني أيضًا، فإنه كما سبق أن أثبتناه، لا يقصد أحد من الاثنين -الرجل والمرأة- بعلاقتهما الجنسية المُطلقة أن يقوم بخدمة التناسل وبقاء النوع.