6 -ثم إن الزنى إن حصل منه للنوع الإنساني والمجتمع أولاد، فكلهم أولاد النغول. وليس من الصحيح ما يظنّه بعض السفهاء من أن مراعاة الحلة والحرمة في الأنساب إنما تصدر عن مجرد العاطفة. بل الحق أن توليد ولد عن زنية عدوان عظيم على الولد نفسه وعلى التمدن الإنساني بأسره من وجوه عدة. أولها، أنه ينعقد حمل هذا الولد في رَحِم أمه ساعة يكون أبواه كلاهما تحت غلبة العواطف البهيمية الخالصة وإن العواطف الإنسانية الطاهرة التي تغمر الزوجين المتناكحين وقت اتصالهما الجنسي، لا يمكن أن تخالط أبدًا هذين الفاجرين المتسافحين، لأنهما لا يصل أحدهما بالآخر إلا هيجان البهيمية المحضة في نفوسهما، وتكون جميع الخصال الإنسانية معطلة فيهما وقتئذ. ومن هذا لا يرث ولدُ الزنية عن أبويه إلا خصائص الطبع البهيمي. ثم إن الولد الذي لا يأتي أبويه كشيء مطلوب محبوب، بل ينزل بينهما نزول النكبة المفاجئة، والذي يفقد في أغلب الأحوال عطف الأبوة ووسائلها، ولا تتيسر له إلا تربية الأم الناقصة التي لا تكمّلها تربية الأب، وهذه التربية أيضًا ربما يخالطها الضجر والإعراض؛ والذي لا يتمتع برعاية الأجداد والجدّات والأخوال والأعمام ومن يليهم من ذوي القربى، لا جرم أن ينشأ إنسانًا ناقصًا غير تام الإنسانية، فلا تتكون له سيرة صحيحة، ولا تتجلى فيه كفاءات موهوبة، ولا تتوفر له وسائل التقدم والإجادة العملية، فيكون في حد ذاته ناقص الإنسانية، عادم الوسيلة، فاقد الحامي والنصير، مظلومًا مدحورًا؛ ويكون للتمدّن نكدًا عقيمًا، لا ينفعه النفع الذي كان ينفعه إياه لو ولد حلالًا.
ومن رأى حماة الأباحية في قضاء الشهوات أنه يجب أن يكون هناك نظام قومي لتنشئة الأولاد لتنشئة الأولاد وتعليمهم، فيولدهم الآباء والأمهات بالعلاقات الجنسية المطلقة فيما بينهم، ويكون للنظام القومي أن يربيهم ويؤهلهم لخدمة التمدن. وغرضهم من هذا الاقتراح توفير حرية النساء والرجال وفرديتهم، وتحقيق مقاصد التناسل وتربية الأولاد بدون تقييد شهواتهم النفسية بقيود الزواج. ولكن العجب أن الذين يحرصون هذا الحرص على فردية الجيل الحاضر، هم يقترحون للجيل اللاحق نظامًا للتعليم القومي أو التربية الرسمية، لا مجال فيه لنشأة الفردية وارتقاء الشخصية. فهذا النظام الذي سيُنشأ فيه ألوف مؤلفة من الأطفال على غرار واحد وطريقة واحدة، لا يمكن أن تبرز فيه شخصيتهم الفردية، بل هو أحرى بأن يُحدث فيهم أكثر ما يكون من المشابهة والسويّة المتصنّعة. فيخرج الأولاد من هذا المركز التربوي متماثلين كالسبائك الحديدية تخرج من مصنع. فتأمّل مبلغ تصور هؤلاء السفهاء بشأن الإنسان من الدناءة والإسفاف. إنهم يريدون أن يخرّجوا الأجيال الإنسانية القادمة كتخريج أحذية (باتا) ، ولا يعلمون أن إعداد شخصية الطفل من ألطف الفنون وأدقّها، ولا يمكن أن يُعالج إلا في مجال عملي صغير يكون فيه كل وسّام متصرفًا بعنايته إلى صورة واحدة. وأما المعمل الذي يُصور فيه العمل الأجراء ملايين من الصور المتشابهة المتماثلة، فلا شك أن يضيع فيه هذا الفن، بدل أن يرتقي ويتحسّن.