ثم إن هذا النظام الاجتماعي للتربية والتعليم، لا بد أن يحتاج إلى عامين أكفاء يقومون عن المجتمع بخدمة التربية والتنشئة للأولاد. وظاهر أيضًا أنه لا يصلح لهذه الخدمة من العاملين إلا الذين يتّصفون هم أنفسهم بضبط العواطف والأهواء والوقوف عند حدود الأخلاق. وإن لم يكونوا كذلك، لم يستطيعوا أن يربّوا النشء ويمرّنوهم على الالتزام الخلقي. فقل لي إذًا: من أين سيأتيك أمثال هؤلاء العاملين المربّين؟ وإذا كانت لم تُرد بهذا النظام الاجتماعي للتعليم والتربية إلا أن يخلّى سبيل الرجال والنساء لأن يقضوا شهواتهم من غير قيد، وتكاد تجرّدهم بذلك عن صفة الالتزام الخلقي وضبط الشهوات، فكيف بالله تتّخذ منهم معلّمين ومربّين للأخلاق؟ وأنّى تجد من مجمع العميان نفرًا من البصراء ليعلموا الأجيال الناشئة سلوك سبيلهم بعيون مبصرة.
7 -وإن المرأة التي يزني بها رجل أناني مغرض. ويُصيّرها أما لولد، تخيب حياتها وتفسد للأبد، وينصب عليها وابل من الذلّة والنكبة والمقت العام، لا ينقطع عنها ما دامت حية. ولحل هذه المشكلة قد جاءت المبادئ الخلقية الجديدة تقترح بأن يساوي بين كل أنواع الأمومة من حيث الكرامة والعزّ، سواء أكانت عن نكاح أو سفاح. فيقول أصحاب هذه المبادئ: إن مرتبة الأمومة تجدر في كل حال بالتكريم، وإن الفتاة التي تأخذ على عاتقها مسئولية الأمومة لسذاجتها أو عدم حيطتها، من الظلم أن يلومها المجتمع ويطعن عليها. ولكن هذا الحل -وإن هوّن على الفاجرات فجورهن -آفة للمجتمع ونكبة عظيمة من حيث آثاره المجموعة. وذلك أن المقت والزراية. الذي ينظر بها المجتمع إلى أم الولد النغل، هو بجانب سدّ مانع لأفراده عن ركوب المعاصي، والفجور، وبجانب آخر، هو دليل على حياة الشعور الخلقي في المجتمع نفسه. فلو أن أم النغل تُرفع إلى درجة أم المولود الشرعي، فمعناه زوال التمييز بين الخير والشر والبر والإثم والخطيئة والصواب في نفوس الجماعة. وهب الجماعة تعدمُ هذا التمييز فعلًا. فهل يُغني ذلك في شيء عن حل تلك المشاكل التي تواجه أمّ النغل؟ إنكم قد تساوون بين الأمومتين في نظريتكم وآرائكم، ولككن الفطرة لا تساوي بينهما بتاتًا. وهما، في نفس الأمر، لا يمكن أن يستويا، لأن مساواتهما مما يخالف العقل والمنطق والحقيقة والإنصاف. وكيف يمكن لعمر الله أن تستوي المرأتان: إحداهما حمقاء غلبتها غريزة الشهوة البهيمية فجعلتها تستسلم لرجل مُغرض، لم يكن ينوي أن يتكفلها هي وولدها. والأخرى: كيسة ضبطت نفسها وكبحت جماح عواطفها إلى أن وجدت رجلًا شريفًا مستعدًا لتحمل تبعاتها، فأي عقل يحكم على هاتين المرأتين حكمًا سويًا، وأنت إن شئت، قد تجعل بينهما مساواة ظاهرة متصنعة، ولكنك لن تستطيع أن تهيء لهذه الحمقاء كل تلك الكفاءة والرعاية والعشرة المؤاسية والتعهد الممزوج بالمودة، والتفقد المقترن بالنصح، وتلك الطمأنينة والسكينة التي لا تتأتّى إلا لذات الزوج؟ ثم من أين تجد لذلك الطفل شفقة الوالد وعطف الأعمام ومحبة الأجداد؟ قُصاراك أن تحمل الرجل على أداء النفقة. ولكن هل النفقة هي كل ما تحتاج إليه الأم والولد في هذه الدنيا؟ فالحقيقة الواقعة التي لا تُنكر إذًا، هي أن المساواة بين الأمومتين -الشرعية وغير الشرعية- مهما ضمنت للفاجرات من الطمأنينة الظاهرة، لا تنجيهن من النتائج الطبيعية لحماقتهن، ولا تُنجي أولادهن من مضار ولادتهن في أحضانهن.