الذي ليس له اختيار وليس له تصرف، ويسير من غير اختيار، لا يحمد إذا بدر منه فعل, كحال الحجر حينما تأتي به الرياح ويسير فلا تحمد الحجارة؛ لأنه سيرها وليس لها اختيار, ولكن إذا كان للإنسان اختيار أن يختار ثم اختار الخير ولم يختر غيره حمد على ذلك, والله جل وعلا جعل للملائكة اختيارًا, وجعلهم لا يخرجون سبحانه وتعالى عن أمره, فحمدهم الله سبحانه وتعالى على ذلك.
ولهذا نقول: إن الملائكة ليسوا بمخاطبين برسالة محمد صلى الله عليه وسلم من جهة الاتباع, فلا يخاطبون بالصلاة ولا بالصيام ولا بالزكاة ولا بالحج ولا بغير ذلك من الشرائع, ولكن يخاطبهم الله سبحانه وتعالى أمرًا بشيء من أجناس ذلك على سبيل المناسبة لا على أصل التشريع.
مثال ذلك: أن الله عز وجل يأمر الملائكة أن تقاتل مع محمد صلى الله عليه وسلم، إذًا فهو تشريع جهاد, فهل الملائكة حينما قاتلوا مع محمد صلى الله عليه وسلم قاتلوا اتباعًا لأصل التشريع أو أمرًا استثنائيًا من الله خاصًا؟ أمرًا استثنائيًا من الله سبحانه وتعالى خاصًا؛ ولهذا نقول: إن في قول جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام أخبرني عن الإسلام, وإجابة النبي عليه الصلاة والسلام له في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا رسول الله, المراد بذلك هو الإيمان والعلم، وليس المراد بذلك هو الاتباع والاقتداء بأمر الرسالة, فالذين يؤمرون باتباع محمد صلى الله عليه وسلم هم الأنس والجن؛ ولهذا يقول الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] .
فما خلق الله عز وجل الإنس والجن وهم الذين تتوجه إليهم خطاب الرسل وخطاب النذر, ويجب عليهم حينئذ أن يتبعوا. ما عداهم من المخلوقات هل هم مخاطبون في ذلك أم لا؟
نقول: ما عداهم من المخلوقات ممن يخاطب بالتكليف ولديه إدراك هذا لا دليل على دخولهم في هذا, وإن وجد أو دلت بعض الأدلة على وجود من يدرك ويعقل من غير الثقلين, وخلق الله عز وجل لا يعلمهم إلا هو سبحانه وتعالى, ولهذا جاء في حديث سلمان الفارسي وغيره مرفوعًا وموقوفًا: (أنه ما من رجل يكون في بادية ثم يؤذن لنفسه ويقيم ويصلي إلا صلى خلفه من خلق الله ما لا يرى طرفاه) ، من خلق الله, من هم هؤلاء الخلق؟ الله أعلم بهؤلاء.
ولكن الله سبحانه وتعالى وجه الخطاب في ظاهر النص إلى الثقلين من الجن والإنس, وهناك من مخلوقات الله سبحانه وتعالى ما يقطع بعدم دخولهم في هذا, وذلك لظواهر النصوص في الملائكة عليهم السلام, وأما الجواب هنا في توجيه الخطاب إلى جبريل في قوله: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله المراد بذلك هو العلم والإيمان بهذا.