باب أولى.
وهنا لما ذكر الساعة وبين له النبي عليه الصلاة والسلام أنه لا يعلمها وليس بأعلم منه هذا الجواب من النبي عليه الصلاة والسلام: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل) , والحكمة منه مع أن الصحابة لا يعلمون أن هذا جبريل، أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين استواء الناس بمقدار العلم بالساعة وهو الجهل, ولكن يتفاوتون في ذلك بمعرفة أماراتها وشروطها وقيامها, فأشراط الساعة التي تقوم بها يتفاوت الناس في ذلك, أما زمن العلم بها تحديدًا فيستوي الناس في الجهل في ذلك, فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يبين هذا الأمر.
ويحتمل أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يلفت انتباه الصحابة إلى أن هذا السائل لديه علم, ويحتمل أيضًا أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبين أن هذا الذي يسأل وهو يظهر عدم العلم فيما يسأل أني وإياه نشترك في عدم العلم بالساعة, فغيركم من باب أولى.
... أمارات الساعة وأقسامها
وأمارات الساعة هي العلامات والأشراط والشرائط, وأمارات الساعة التي تسبقها على نوعين: أشراط كبرى وأشراط صغرى, وعلامات الساعة وأماراتها: أمارات وعلامات صغرى وعلامات وأمارات كبرى, والصغرى والكبرى منصوصة في كلام الله وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والصغرى تسبق الكبرى، ومن الصغرى ما يتخلل الكبرى, يعني: يأتي معها مع كونها صغرى, ولكن الأصل في الصغرى أنها سابقة للكبرى, فإذا جاءت الكبرى تبعت، وزمن الصغرى أطول من زمن الكبرى, وذلك أن أول الصغرى ظهر في الصدر الأول, ثم بقيت هذه الصغرى تخرج زمنًا بعد زمن, ثم إذا جاءت الكبرى توالت وتتابعت، فهي أقصر زمنًا من الصغرى التي ظهر أولها في الصدر الأول بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا يقول النبي عليه الصلاة والسلام: (بعثت أنا والساعة كهاتين) , وهذا أيضًا من أماراتها انشقاق القمر, اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1] .
وهل الصغرى المراد بذلك هي صغرى من جهة حدوثها أم صغرى من جهة سبقها للكبرى؟
نقول: ليس من جهة حدوثها فقد تكون عظيمة كانشقاق القمر, ومبعث النبي عليه الصلاة والسلام حدث عظيم, ولكن إنما تسمى صغرى وكبرى لأن الكبرى تتتابع، وتسمى صغرى بمجموعها لا بأفرادها, وتسمى