وهنا اختصر هذا المعنى ليدخل فيه كل هذه الدائرة؛ فلما سأله عن الإحسان قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه) , تعبده بماذا؟ تعبده بالإيمان به, بأركان الإيمان، تعبده أيضًا بأركان الإسلام.
قال: (أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك) ، وهذا نوع من تقريب هذا المعنى، جانب من جوانب الإحسان, وذلك أن الإنسان مفطور على التأثر بالمشاهدة, فيتأثر بالمشاهدة ما لا يتأثر بالغير, وهذا أمر فطري, فالإنسان إذا كان أجيرًا عند أحد، ثم جاء سيده أو مديره فإنه يتقن العمل, وإذا غاب عنه ضعف حسًا عن النشاط في ذلك، والإنسان إذا كان أجيرًا كأن يكون مثلًا راعيًا في غنم عند سيده أو فلاحًا في بستانه، أو يكون تاجرًا في متجره يعمل عنده، فإذا حضر صاحب العمل ينشط الإنسان فطرة, وإذا غاب فإنه يفتر؛ لماذا؟ للأصل الفطري في ذات الإنسان في مسألة الغيب والشهادة, ولما تأثر في هذا وغلب على طبع الإنسان في التعامل مع الناس التفريق بين الغيب والشهادة، يغيب عن الإنسان شعر أو لم يشعر، أن الله عز وجل يختلف سبحانه وتعالى عن ذلك, فليس بحاجة أن تراه ليعلمك, والله سبحانه وتعالى لا يعلم حتى يتجلى لك, فهو يراك وإن لم تكن تراه, قال: (أن تعبد الله كأنك تراه) , يعني: كأنه أمامك، كيف تكون الصلاة, وكيف يكون الصيام, وكيف تكون الزكاة, وكيف يكون الحج من جهة الإتقان والخشوع والخضوع لله, كيف يكون إذا كنت تؤديها على مقدار معين لو أن الله أمامك، فاعبد الله وأنت لا تراه, واعلم أنه يراك في الحالين, رأيته أنت أو لم تره.
فذكر معنى الإحسان هنا قال: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك) , يعني: أن تأثرك في الغيب والشهادة لا أثر له في تعلق علم الله عز وجل بك, فالله يعلم حالك ولو لم تراه, وأما تعلقك بالرؤية والغيب من جهة العلم وعدمه فلا أثر له في الجانب الآخر وهو علم الله سبحانه وتعالى فيها. وهذا أعلى مراتب الإحسان.
وما من عبادة من العبادات إلا وفيها إحسان واجب وإحسان مستحب, والإحسان الواجب هو أن يفعل الإنسان المأمور ويجتنب المنهي، ففي الصلاة مثلًا يأتي الإنسان بالأركان والواجبات, ويجتنب المنهيات في الصلاة كافتراش السبع ونقرة الغراب وإقعاء الكلب وغير ذلك، هذه منهيات وجاء بالواجبات، هذا الإحسان الواجب.
والإحسان المستحب ما هو؟ الزيادة في الخشوع, الإطالة في الصلاة, الزيادة في الطمأنينة في الصلاة, وأن يطيل القيام والقراءة, ويتبع سنة النبي عليه الصلاة والسلام, وما هو الدعاء الذي كان يقوله؟ ولو تركت في الصلاة مثلًا في دعاء النبي عليه الصلاة والسلام: (يا مصرف القلوب صرف قلبي على دينك) , لو تركه