وتعالى عقل الإنسان لا يدرك كل شيء, ولهذا أوجب الله عز وجل على الإنسان أن يؤمن بما أمره الله سبحانه وتعالى به ونهاه عنه, وأخبره الله عز وجل به وأوجب الله سبحانه وتعالى على الإنسان أن يسلم تسليمًا ولو وجد في قلبه شيئًا من عدم التصديق من الريبة أو التناقض أو التضاد الذاتي.
ولهذا الله عز وجل يقول في كتابه العظيم: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65] . يعني: لا بد من التسليم والانقياد, إذا أردت أن تحكم أوامر الله على مطابقتها لما تريد فأنت يجب أن تعلم كعلم الله سبحانه وتعالى, وإذا كنت تعلم كعلم الله عز وجل فلا شأن لك بأمر الله أن تدبر نفسك بنفسك فلا ثمة فرق بين خالق ومخلوق.
ولهذا الله سبحانه وتعالى يأمر الإنسان بأوامر ويأمره جل وعلا بالتسليم والانقياد له, ومن هذه المسائل التي لا يدركها عقل الإنسان مسألة القدر, تقدير الله عز وجل للخلائق, جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح: (أن الله عز وجل كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف عام) ، هذه المقادير قدر الله عز وجل بها أمور الخلائق أحوالها آجالهم، الشقاوة والسعادة من جهة أماكنهم وذرياتهم وأزواجهم وغير ذلك مما يتعلق بهم في هذه الدنيا.
ولازم قدر الله عز وجل العلم, أن الله عز وجل له الكمال الفعلي, يعلم الله عز وجل ما كان, ويعلم ما يكون, ويعلم ما سيكون, ويعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون, يعني: حتى ما يتعلق بما لم يقع مما يمر على الناس لو أنه كان للنهي آثار ولوازمه الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك.
ولهذا مسألة القدر لما ظهرت وصادمت العقل للنص تولدت البدع, ومن هذه البدع بدعة القدر, ونفي التقدير أن الله لم يقدر, ويلزم من ذلك أن الله لا يعلم شيء, وعلى هذا أن الإنسان إذا فعل شيئًا من الأفعال أن الله لا يعلمها إلا حال حدوثها, وعلمه مصاحب لعلم الإنسان, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا؛ ولهذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى قدر مقادير الخلائق, وبين الله سبحانه وتعالى أنواع تفضيله جل وعلا, وكذا سعة علمه سبحانه وتعالى فيما يتعلق بكونه جل وعلا, والواجب على الإنسان التسليم.
العقل ومصارعته للنقل هي أصل الابتداع والإحداث والضلال في هذه الأرض وعند البشر, الله سبحانه وتعالى جعل عقل الإنسان كبصره, الإنسان إذا أراد أن يسير في الأرض لديه بصر ولديه قوة, لا يتبع هذا بهذا, لا يتبع هذا حتى يوجد هذا, وإذا وجد هذا ولم يوجد ذاك لم يتم الاتباع, الإنسان إذا كان أعمى لو كان في الظهيرة لم يتبع في بصره, وكذلك الإنسان إذا كان مبصرًا في ظلام دامس, ولا يوجد قبس من نور لا من