ركعات الشرائع أنها تكون بسجدة واحدة, ومنهم من يقول ركوع بلا سجود, وبعضهم يأخذها في بني إسرائيل كما في قول الله عز وجل لمريم: وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ [آل عمران:43] . قالوا: هو ركوع لا يكون عنده سجود, ومنهم من يقول: إن ذكر الركوع لا يلزم من ذلك هو نفي السجود باعتبار أن من ركع سجد.
ونقول: إن الاختلاف بينهم من جهة الأزمنة, وكذلك أيضًا عدد الركعات أو ربما أيضًا بعض الصفات والأذكار التي تكون في الصلاة, أما الأصل فالصلاة شرعها الله سبحانه وتعالى لسائر أنبيائه وأمر بها الأمم. والشريعة إذا اشتركت بها سائر الشرائع فهذا دليل على أهميتها وجلالة قدرها.
كذلك أيضًا في هذا الحديث قال: أن تقيم الصلاة, ما قال: أن تؤمن بالصلاة, أن تؤمن أن الله أمرك بالصلوات فقط, وإنما ذكر إقامة الصلاة, إقامة الصلاة أن تؤديها كما أمر الله سبحانه وتعالى, إذًا: الخطاب هنا توجه إلى إقامة الصلاة لا إلى الإيمان بها, فإن الإنسان إذا لم يؤمن بالصلاة, وأنها واجبة, فهو كافر بالله وإن أداها, فلو فرض أنه يوجد شخص يقول: إن الصلاة ليست بواجبة ولكنها مستحبة, وأنا أؤديها؛ لأنها مستحبة فقط فهو كافر بالله ولو أداها, وخير منه من يؤمن بها وجوبًا ولا يؤديها, وهو أخف منه باعتبار أن ذاك جاحد وهذا معطل, والجاحد أشد من المعطل.
ولهذا إنما جاء الأمر بإقام الصلاة في قوله: وأن تقيم الصلاة, يعني: التي أمر الله سبحانه وتعالى بها, ويتفق العلماء على أن المراد بالصلاة هنا هي الصلوات الخمس, وذلك لأنها هي الركن الثاني من أركان الإسلام, وليس المراد بذلك ما يتعلق بالنوافل وما يتعلق بفروض الكفايات كصلاة الاستسقاء والخسوف والكسوف وغيرها مما يشرعه الله سبحانه وتعالى على غير وجه التأكيد والإلزام على الأفراد, وإنما المراد بذلك هي الصلوات الخمس, وهي المرادة في أوامر الله سبحانه وتعالى بقوله: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [البقرة:43] , هذا أمر من الله سبحانه وتعالى بالإتيان بالصلوات الخمس.
والخطاب هنا أن تقيم الصلاة تتوجه إقامتها إلى الإنسان في صور:
أول هذه الصور: أن يؤديها كما شرع الله سبحانه وتعالى من جهة صورتها الظاهرة والباطنة.
الثانية: أن يؤديها جماعة, ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43] ، أن تؤدى الصلاة على وجه الحقيقة كما أمر الله, وأن يكون ذلك أيضًا مع الراكعين, لا أن يكون الإنسان منفردًا بأدائه للصلاة.