قوله: (أن تؤمن بالله) . الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو أول أركان الإيمان, وتدل عليه الفطرة التي فطر الله عز وجل الناس عليها, فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا [الروم:30] , وجاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة: (ما من مولود إلا ويولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) .
وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى أشهد العباد على أنفسهم؛ وذلك أنه أخرج من ظهر آدم ذريتهم الذين يخرجون منه، فأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا: بلى, وهذا كافٍ في ثبوت الحجة بالإيمان بالخالق, ولهذا لا يعذر أحد بنفي وجحد وجود خالق, كما يدعيه الملاحدة؛ لوجود دليل الفطرة القائم في ذات الإنسان.
ولهذا نقول: هذا لا يحتاج إلى دليل السماع لوجود دليل الفطرة، وهو قوي وثابت في فطرة الإنسان، فمن جحد وجود الله سبحانه وتعالى فهو كافر ولو لم يبلغه دليل من الوحي, ويعاقبه الله سبحانه وتعالى على ذلك ولو لم تصله رسالة, لماذا؟ لأنه ناقض دليلًا قويًا أو أقوى دليل, وهو دليل الإشهاد ودليل الفطرة القائمة في ذات الإنسان, والخلق الأصل فيهم أنهم لا يكفرون بربوبية الله سبحانه وتعالى, وأن الله عز وجل أوجد الخلق، وهو ربهم المتكفل بهم الذي يقدر لهم أقدارهم وأحوالهم وآجالهم، وأنه جل وعلا يحييهم ويميتهم سبحانه وتعالى.
وأما صفات الله عز وجل وأسماؤه فإن الإنسان لا يصل إليها إلا بدليل السمع, ولهذا هل يعذب الله سبحانه وتعالى من لم يؤمن بالله ممن لم يبلغه الإسلام أصلًا وجحد وجود الخالق؟ نقول: يعذبه الله جل وعلا؛ لأن دليل الفطرة في بعض صوره أقوى من دليل الشرع ودليل السمع.
ونحن نجد أن أصحاب الملل إنما ينحرفون في وصف الخالق واسمه وحقيقته لا في أصل وجوده, ولهذا يتخبطون, فبعضهم يجعله كوكبًا, وبعضهم يجعله حجرًا, وبعضهم يجعله شجرًا, وبعضهم يجعله ريحًا, وبعضهم يجعله غائبًا لا يرى كالغول والجن, وبعضهم يجعله غائبًا ويتخيله على صورة معينة, هم يؤمنون بالأصل, ولكن الوصف والحقيقة يضلون فيها؛ لماذا؟ لأنه لا يصل إليها الإنسان إلا بدليل السمع؛ لأن الإنسان لا يثبت حق من ذلك إلا بالنص, والله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, فهو يقيس على ما يرى فيضل ويزيغ.
وفي قول النبي عليه الصلاة والسلام لجبريل: (الإيمان أن تؤمن بالله) ، الإيمان بالله المقصود به أن يؤمن أن الله ظاهر في ربوبيته وإلوهيته وأسمائه وصفاته, وأن الله عز وجل لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفؤًا أحد, والله سبحانه وتعالى هو خالق الخليقة ورازقهم، وهو محييهم وهو مميتهم، وهو المدبر لهم الأرزاق