يغتني, أو كان على حال سيئة ثم يصبح من أسياد الناس في المال, وثراؤه مثله في الأزمنة السابقة لا يأتي إلا بعد أن يرث المال عن أجيال, فيأتي واحد وتكون له القناطير المقنطرة من الذهب والفضة.
ولهذا هذا من أشراط الساعة التي ظهرت في السابق, شيوع المال في الناس، وهذا أمر مشاهد ملموس.
والناس من المؤسف يتعاملون في أمور المال وتمييز الفقراء من الأغنياء من وجه نسبي بحسب زمانهم، لا يقارنونه بأصل الرزق والكفاية, ولهذا تجدون الملوك والأسياد في القرون الماضية عاشوا في مساكن لا يسكنها الفقراء اليوم, ولو قلت لفقير: اسكن هذا ما سكن, بل لو أتيت إلى أحد الفقراء وأعطيته ثياب كسرى وقيصر ما لبسها؛ لأنه يرى أنها خشنة ولا تلبس, ولو أوتي فقير إلى دور بعض الملوك والأسياد قبل قرون ما سكنها, وأولئك تكبروا على غيرهم في زمان بأنهم أسياد الأرض, ولو عاش بعض الفقراء في زماننا في بيوتهم لانتحر من الفقر, وهذا من غرور الدنيا.
ولهذا نقول: إن الدنيا حقيرة, غرت الأول أنه غني فبطر, وغرت المتأخر أنه فقير فانتحر, وهي من جهة المادة واحدة, بل لو رأيت بعض فقراء اليوم تجد أنه يلبس ما يلبسه الملوك في القرون الماضية, ولهذا ينظر الناس إلى أمر الغنى والفقر بالأمر النسبي, فالفقير بالنسبة للغني لا بالنسبة لأصل الكفاية, ولهذا هذا التوسع الذي ذكره النبي عليه الصلاة والسلام في أمر الناس أنهم يتطاولون بالبنيان, وكانوا أيضًا حفاة عراة رعاء الشاة يتطاولون في البنيان من شدة الثراء ووفرة المال وسهولة الحصول عليه.
قال: (ثم انطلق، فلبثت مليًا, ثم قال لي: يا عمر! أتدري من السائل؟) .
... عدم ذكر السلام من جبريل في حال الانصراف
قوله هنا: (ثم انطلق) يعني: جبريل عليه الصلاة والسلام. وهنا عدم ذكر السلام من جبريل في حال الانصراف لا يدل على عدمه, فالأصل في ذلك أن الإنسان يسلم إذا انصرف كما يسلم إذا قدم.
... الحكمة من تأخير النبي سؤاله للصحابة عن حقيقة السائل
قال: (فلبثت مليًا) , هنا مكث وقتًا، فلماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يسأل الصحابة عليهم رضوان الله عن حقيقة الرجل السائل حتى انصرف, فلم يخبرهم النبي عليه الصلاة والسلام حال وجوده, وكذلك عند قريب انصرافه, وإنما أخبرهم بعدما انصرف ولبثوا مليًا، يعني: وقتًا، سألهم النبي عليه الصلاة والسلام