فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 67

وفي قول عبد الله بن مسعود عليه رضوان الله؛ فرق بين حامل الفقه وحامل القرآن, أن حامل القرآن لا يلزم منه أن يكون فقيهًا, فقد يقيم الحروف لكنه لا يقيم المعاني, ولهذا يوجد في العجم من يقيم القرآن ولكنه لا يفهم من معانيه شيء, بل لا يحسن النطق بمخارج الحروف كما ينطق الناس, ولكنه يحفظ القرآن وإن قصر في بعض مخارجه؛ ولهذا نقول: إنه لا بد من فهم كلام الله سبحانه وتعالى كما أراد الله.

والناس في هذا يضعفون ويقوون, نحن في زمن متأخر وبيننا وبين النبي عليه الصلاة والسلام أكثر من ألف وأربعمائة عام, بعدنا عن اللغة وعن الصدر الأول وعن فهمه, فإذا دخل على الأوائل من الدواخل من المخالفة مع إجادتهم لإقامة القرآن وفهم السنة فكيف بغيرهم؟

وفي هذا أيضًا لفتة مهمة وهي أن البدع العظيمة من نفي القدر إذا ظهرت في الصدر الأول فما البال بالقرون المتأخرة, وما البال فيما بعد ذلك بقرون بأكثر من أربعة عشر قرنًا؟ ما يحدث من البدع والبلايا في دين الله عز وجل ممن يقرأ القرآن ويتقفر العلم ويتتبع العلم, لا شك أنه سيأتي مما هو أشد من هذا.

ولهذا وجب على المؤمن أن يحذر أن ما كل من رفع راية العلم عالم, وما كل من رفع راية العلم سالم, يعني: سالم من الابتداع أو الضلال أو الخطأ أو غير ذلك, لهذا وجب على المؤمن أن يتحرى الحق وذلك لينجو ويسلم له دينه؛ ولهذا حينما ذهبوا إلى عبد الله بن عمر عليه رضوان الله ذكروا من أوصاف أولئك أنهم كانوا يقرءون القرآن ويتقفرون العلم ويقولون ألا قدر وأن الأمر أنف, يعني: لا يوجد شيء مقدر على الناس, وأن الأمر أنف.

... خطورة الكلام في القدر وأقوال الطوائف فيه

القدر على ما تقدم هو من المسائل التي تحير عقول كثير من الناس, وإدراكها هي من الأمور الشاقة, ولهذا يذكر بعض أهل النظر أن مسألة القدر ومحاولة فهم عقل الإنسان لها كحال البصر الذي ينظر للشمس في الظهيرة, إن أدام النظر فيها آلمته وحيرته ولم يستفد من ذلك شيئًا وأحرقته, وكذلك عقل الإنسان إذا أراد أن ينظر في مسائل في أمثال هذه ويديم النظر فيها, إدامة النظر فيها تزيده احتراقًا؛ لأن عقله لم يكن قادرًا على استيعاب ذلك.

ولهذا نقول: إن الله عز وجل كما جعل للبصر حدًا وللسمع حدًا جعل لعقل الإنسان حدًا, وحد الإنسان في ذاته كحال الإناء من جهة استيعابه البحر لا يمكن للإنسان أن يستوعب البحر في إنائه, ولو قال: إني أريد أن تأتيني بهذا الماء أفرغه في إنائي حتى أعرف مقداره, حتى أميزه, يقال له: لا تستوعب, وإناؤك لا يستوعب البحر يقول: أريد ذلك, وإذا أعطي إياه على إمكاناته هذه؛ لطوى البحر إناءه وتحير في ذلك ولم يحمل منه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت