فقذفه جبريل في محمد صلى الله عليه وسلم، أو خلقه الله في الهواء وهكذا مما يعللون به, بل يقال: هو كلام الله تكلم به الله عز وجل حقيقة, يقول الله سبحانه وتعالى: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا [النساء:164] , ويقول الله جل وعلا: حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ [التوبة:6] , فنسب الكلام إليه مع أن المتكلم المبلغ عن الله جل وعلا هو رسول الله, لكنه تكلم بكلام الله, فيكون كلام الله، ولو سمعناه من غيره هو كلام الله, فيكون كلام الله ولو كان مكتوبًا في الألواح, فهو كلام الله ولو كان بالمداد أو الورق، فالمداد والورق شيء، وكلام الله شيء, ولو كان محفوظًا في الصدور, بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ [العنكبوت:49] ، فهو كلام الله ولو كان محفوظًا في الصدور.
أما الأصوات فأصوات القراء, هذا صوته ثخين، وهذا رقيق، وهذا يتغنى، وهذا لا يتغنى, وهذا يحدر، وهذا يترسل, هذه أصوات, أما الكلام فهو كلام الله, فالكلام كلام الله سبحانه وتعالى.
وهذه المسألة لم تكن منظورة من جهة الطرح في كلام الصدر الأول؛ لعدم وجود المبتدعة القائلين بأن كلام الله مخلوق, ويقولون: هو كلام الله، ونسبته إلى الله نسبة تشريف كسماوات الله وأرض الله، فضلوا في هذا، فهو قول الله وصفة من صفاته سبحانه وتعالى.
وإذا قلنا بأن الصفة مخلوقة فيلزم من ذلك التعدي على الموصوف سبحانه وتعالى, تعالى الله عز وجل عن ذلك علوًا كبيرًا؛ ولهذا نقول: إن كلام الله سبحانه وتعالى تكلم الله عز وجل به على الحقيقة، وأن عدم ورود النصوص المرفوعة بنفيها لفظًا كلام الله ليس بمخلوق, لأنه لم يوجد مبتدع قال بأنه مخلوق حتى يوجد نص يقول: إنه ليس بمخلوق, فلما ظهر هذا القول جاء ذلك.
ومن أعلى ما جاء في هذا عن عبد الله بن مسعود , وأيضًا عن عبد الله بن عباس، رواه ابن جرير الطبري من حديث علي بن أبي طلحة عن عبد الله بن عباس أنه قال في قول الله عز وجل: غَيْرَ ذِي عِوَجٍ [الزمر:28] ، قال: غير مخلوق, ومن العلماء من ينكر هذا النص باعتبار أن هذه المسألة لم تكن منظورة, وإذا لم تكن هذه المسألة منظورة فآكد منها مسألة اللفظ؛ لفظ أن القرآن مخلوق, ولهذا يقول ابن جرير الطبريرحمه الله في كتابه السنة: القول بأن لفظ القرآن مخلوق أو غير مخلوق لم يكن في كلام صحابي مضى ولا تابعي قضى, وإنما هو في كلام من كلامه شفاء وغنى أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل.
فلما ظهرت هذه البدعة وتفشت قام الإمام أحمد رحمه الله، وتصدى لها، وبين أن الخلل الذي وجد في أذهان بعض الناس من التسلسل واللوازم أنه إذا قلنا: إن القرآن كلام الله ليس بمخلوق؛ إذًا حينما يتكلم الناس كيف نفرق بين كلام الله وكلامهم, وكيف نفرق بين المكتوب في الألواح بأحبار وأوراق وكلام الله, والمحفوظ في الصدور كيف نميز هذا من هذا, نقول: إن الصوت صوت القارئ، والكلام كلام الباري،