ويقول الشوكاني أيضًا:"أقلُّ اَلْجَمعِ ثلاثةٌ، وبه قالَ اَلْجُمهورُ، وحَكَاهُ ابنُ الدَّهان النَّحويُّ (ت 569 هـ) عن جمهورِ النُّحاةِ، وقال ابن خرَّوف (ت 609 هـ) في شَرْحِ كِتَابِ سِيبويه أَنَّهُ مَذْهَبُ سيبويه، وهذا هو القَولُ الحَقُّ الذي عليه أهلُ اللّغَةِ والشَّرعِ". [1]
ومن ذلك ما قاله الشوكاني أيضًا:"وَالْمَشهُورُ فِي عِلْمِ النَّحوِ اِلْخِلافُ بين سيبويه وَالْمُبرِّدِ، فسيبويه قال: إِنَّ العُمُومَ مُستفادٌ مِنْ النَّفي قَبْلَ دُخُولِ (مِنْ) ، وَالْمُبرِّدُ قَالَ: إِنَّهُ مُسْتفادٌ مِنْ لَفْظِ (مِنْ) ؛ والحقُّ ما قاله سيبويه" [2] .
ومن ذلك ما قاله السُّبكي (ت 771 هـ) :"إِذَا اِعترضَ شَرْطٌ عَلَى آَخَرٍ- نَحو: إِنْ أَكَلْتِ إِنْ شَرِبْتِ فَأَنْتِ طالقٌ - فالجوابُ اَلْمذكورُ للسَّابِقِ منهما، وجوابُ الثَّانِي مَحذوفٌ - هذا مذهب سيبويه وعليه [مذهب] شيخنا أبي حيان والشيخ الإمام الوالد رحمه الله" [3] .
ويقولُ أيضًا:"والأصلُ في هذه القاعدةِ قولُ أُستاذِ الصِّناعَةِ سيبويه رحمه الله في: مَرَرْتُ بزيدٍ وعمرو، إنَّه مُرورٌ واحدٌ - وفي مررتُ بزيدٍ وبعمرو إنَّه مروران" [4] . ومنه قول الجويني (ت 478 هـ) :"فَالْمُختارُ إِذًا في قولِهِ:"وأرجُلِكُم"ما ذكره متبوعُ الجَمَاعَةِ وسيِّدُ الصِّناعَةِ سيبويه" [5] . والأمثلة على ذلك كثيرة ومشهورة.
ولا يعني ما سُقناه أنَّ سيبويه مُنزَّهٌ عن النَّقصِ أو أنَّه لم يُخالَفْ بل إنَّ رأي سيبويه كرأي غيره من العُلماءِ قد يعتريه النَّقصُ والقُصُورُ، يُوافِقُهُ مَنْ شاء ويُخالفه مَنْ شَاءَ، فقد خالفه كثيرٌ من النُّحاةِ الكُوفيين بل خالفه كثيرٌ من أبناء مدرسته البصريةِ، ومن أشهرهم المُبرِّد وغيره، ولكننا لسنا في معرضِ سَرْدِ ذلك، ولكنَّنا نَسُوقُ أمثلةً لبعضِ العُلماءِ الذين وافقوه أو خالفوه من الفُقَهاءِ أو عُلماءِ العقيدةِ، ومرَّ بنا بعضُ آراءِ الموافقين، ومن أشهر مَنْ ذُكر شيئًا عن مُخالفته أحيانًا شيخُ الإِسْلامِ ابنُ تيميةَ (ت 682 هـ) ، وقد ضرَبَ ابنُ تيمية اَلْمَثَلَ بسيبويه وإمامته فِي فَنِّه، وتعظيمِهِ لكتابِ سيبويه، وأَنَّهُ
(1) إرشاد الفحول، للشوكاني (1/ 312) .
(2) إرشاد الفحول، للشوكاني (1/ 300) .
(3) الأشباه والنظائر، لتاج الدين السبكى، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1411 هـ - 1991 م (2/ 255) .
(4) الأشباه والنظائر، للسبكى (2/ 371) .
(5) :) البرهان في أصول الفقه، للجويني، دراسة وتحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1418 هـ /1997 م (1/ 328) . وينظر: البرهان في علوم القرآن، للزركشي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعرفة، بيروت، 1391 هـ (2/ 369) .