اختلفَ العُلماءُ فِي تَفْسيرِ كَلِمَةِ (دَافِقٍ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى {خُلِقَ مِن مّآءٍ دَافِقٍ} [الطارق: 6] ، قال الشوكاني:".. اَلْمَاءُ هُو اَلْمَنِيُّ، واَلدَّفْقُ الصَّبُّ، يُقالُ: دَفَقْتُ اَلْمَاءَ؛ أَي: صَبَبْتُهُ، يُقالُ: مَاءٌ دَافِقٌ؛ أي: مَدْفُوقٌ، مثل {فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ} [الحاقة:21] ؛ أي: مَرْضيَّةٌ، قال الفَرَّاءُ والأَخْفَشُ: مَاءٌ دَافِقٌ؛ أي: مَصْبُوبٌ فِي الرَّحِمِ، قَالَ الفَرَّاُء وَأَهْلُ الْحِجَازِ: يَجعلُونَ الفَاعِلَ بِمعنَى اَلْمَفُعُولِ فِي كثيرٍ مِنْ كَلامِهِمْ، كقولهِمْ: سِرٌّ كَاتِمٌ؛ أَيْ: مَكْتُومٌ، وهَمٌّ نَاصِبٌ؛ أي: منصوبٌ، وليلٌ نائمٌ، ونَحو ذلك، وقال الزَّجَّاجُ: مِنْ ماءٍ: ذِي اِنْدِفَاقٍ [1] ."
وَقَالَ القُرْطُبِي: {مِن مّآءٍ دَافِقٍ} ؛ أي: مِنْ اَلْمَنِيِّ، والدَّفْقُ صَبُّ اَلْمَاءِ، دَفَقْتُ اَلْمَاءَ أَدْفُقُهُ دَفْقًا؛ صَبَبْتُهُ، فهُو مَاءٌ دَافِقٌ. قَالَ الزَّجَّاجُ: مِنْ مَاءٍ ذِي اِنْدِفَاقٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ سِيبويه، فالدَّافِقُ هُو اَلْمُندفِقُ بِشِدَّةِ قُوَّتِهِ [2] . وقال ابن الجوزي:"قال الزجاج: ومذهب سيبويه وأصحابه، أنَّ معناه النَّسَبُ إلى الانْدفاقِ، أي: صِفَةُ تكوينه الاندفاقُ، والمعنى: مِنْ مَاءٍ ذِي اِنْدِفَاقٍ" [3] .
9 -مَسْأَلَةُ: وُلادَةُ الإِنْسَانِ عَلَى اَلْفِطْرَةِ:
مِنْ الطَّبعي واَلْمَشهُورِ أَنْ تَجِدَ حَدِيثًا نَبَوِيًا شَريفًا يكثرُ وُرُوْدُهُ فِي التُّراثِ اَلْعَقَدِيِّ وَالْفِقْهِي لِجُمهُورِ عُلماءِ اَلْمُسلمين، وَلكنَّ اللَّافت لَلنَّظَرِ أَنْ تَجِدَ حَدِيثًا وَيُرْدَفَ أَوْ يُصَدَّرَ بِتَعْلِيقِ سِيبويه عليه، وَيَتردَّدُ ذَلك بكثرةٍ فِي مُؤلَّفَاتِ وُشُروحِ كثيرٍ مِنْ الفُقَهاءِ والعُلمَاءِ، وَمِنْ أَمثلةِ ذَلك قَوْلُ
(1) فتح القدير، للشوكاني (5/ 420) ، واللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص الدمشقي الحنبلي (20/ 262) .
(2) تفسير القرطبي (20/ 6) . وينظر: البهجة في شرح التحفة، للتسولي (2/ 24) ، وشرح مختصر خليل، للخرشي المالكي، المطبعة الأميرية، مصر، 1319 هـ (15/ 45) ، و تحفة الحبيب على شرح الخطيب، للبجيرمي (3/ 304) ، والإبهاج في شرح المنهاج، لعلي بن عبد الكافي السبكي، تحقيق: جماعة من العلماء، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1404 هـ (1/ 309) ، ونهاية السول شرح منهاج الوصول، لجمال الدين الإسنوي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 هـ/ 1999 م (1/ 270) .
(3) زاد المسير، لعبد الرحمن الجوزي (9/ 84) .