اَلْحَمْدُ لله وَكَفَى، والصَّلاةُ والسَّلامُ علَى نَبِيِّهِ الَّذي اِصْطَفَى، فأمَّا بعدُ:
فقدْ عِشْنَا في ورقاتِ هذا البحثِ مع رحلةٍ علميَّةٍ فِي أَنْهارِ عُلومٍ شريفةٍ شتَّى؛ كالنحو، والفقه، والعقيدة، والتفسير، والحديث، وغيرها، فهذه عُلومٌ جمعَ رجالاتِها وتُراثَها نيَّةٌ صادقةٌ وهدفٌ سامٍ هو نشرُ شريعةِ الإسْلامِ خاتم الأديانِ وتعاليمِ خيرِ الأنامِ، وتيسيرها والانتفاعِ بها فِي الدُّنيا والآخرةِ، باستخدامِ أشرفِ اللُّغات لغة القرآنِ، ونسأل الله تعالى أن نكون قد أفدنا واستفدنا، وأسأله تعالى أن ينفعنا بما علَّمنا وأن يعلمنا ما جهلنا وأن يغفر لنا إن أخطانا وحسبنا أنَّا اجتهدنا، ويُمكنني أن أُبرز هنا بعضَ الأُمورِ على النحو الآتي:
1 -اللَّحنُ الذي وقع فيه سيبويه في بدايةِ حياته كانَ السَّببَ الرَّئيسَ - بعد توفيق الله ثم اجتهاده - في تفوقه فيما بعد في علومٍ شتى حتَّى صار إمام النحاة وسمير الفقهاء ومرجع العلماء ومتبوع الجماعة وسيد الصناعة، وفي ذلك درسٌ لنا جميعًا.
2 -لَمَسْنَا أنَّ جمهور الفقهاء والعلماء أكثروا من الاستئناس بآراء سيبويه اللغوية وغيرها في كثيرٍ من مسائلهم، فكان خيرَ مُعينٍ على حلِّ كثيرٍ من المشكلاتِ الفقهيَّةِ الشَّائكةِ.
3 -أكَّد البحثُ على مَكانةِ سيبويه السَّامقةِ بين العُلماءِ والفُقهاءِ، وكذلك كتابه، كما أكَّد اتِّباعه مذهبَ أهلِ السُّنةِ والجماعةِ.
4 -أكَّد البحثُ العِلاقَةَ العُضويَّةَ بين عِلْمِ النَّحوِ وعِلْم الفقه، وأهمية هذه العلاقة في خدمة العلوم الشَّرعية جميعًا.
5 -رأينا أنَّ تفوُّقَ سيبويه ومكانته وشهرته لم تمنعْ العُلماءَ والفُقهاءَ مِنْ التَّعامل مع آرائه بأنَّها آراءُ إنسانٍ مُجتهدٍ يُصيبُ ويُخطيءُ، فَنَجِدُهُمْ يُجْمعُون على رأيه في بعضِ اَلْمَسائِلِ؛ كجعله «الله» أعرف المعارف، وغيرها، أو يمتنعون عن الأخذ برأيه أحيانًا؛ كما حدث في قولهم: «وأيم الذي نفس محمدٍ بيده!» ، وغيرها، أو يذكرون رأيه دون ترجيح كما في الحروف المقطَّعة ... الخ. وفي هذا أيضًا درس لنا جميعًا أيضًا.