الْمُرَتَّبِ مُرَتَّبٌ أَوْ لِعَدَمِ الْقَائِلِ بِالْفَصْلِ. ولا يوجب غيرهم الترتيب لأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ حَرْفُ الْوَاوِ يَعْنِي بَعْدَ الْفَاءِ، وَالْوَاوُ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَالْفَاءُ دَخَلَتْ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي لَا تَرْتِيبَ فِيهَا فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الْأَعْضَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ وَتَحْقِيقِهِ. وإذا سَلَّمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ تُفِيدُ تَعْقِيبَ مَا بَعْدَهَا لِمَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا غَسْلُ جُمْلَةٍ غَيْرِ مُرَتَّبَةٍ، فَيُفِيدُ تَعْقِيبَهَا لِلْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَنَحْنُ نَقُولُ بِهِ، وَلَيْسَ الْكَلَامُ فِيهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي تَرْتِيبِ الْأَعْضَاءِ، وَالدَّاخِلُ فِيهَا الْوَاوُ وَهِيَ لَا تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، والنُّحَاةَ أَجْمَعُوا أَنَّ الْوَاوَ لِلْجَمْعِ الْمُطْلَقِ، وذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ فِي سَبْعَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا فِي كِتَابِهِ. [1]
وفهم إمام الحرمين منه تعين إرادةِ الجمعِ، فاعترض عليهم بأنَّا نعلمُ أَنَّ القائل إذا قال: جاءني زيد وعمرو لا تفهم العرب مجيئهما معًا بل يحتملُ المعيَّةَ والتَّرتيبَ. وقد علمت أنَّ هذا خلافُ مُرادهم، وإِنَّما عنوا أَنَّها تدلُّ على التَّشريكِ بين المعطوف والمعطوف عليه في الحكم الذي أسند إليهما من غير أنْ تدلَّ على أَنَّهما معًا بالزمان، أو أحدهما قبل الآخر. ونقل الفارسي والسيرافي في"شرح سيبويه"والسهيلي وغيرهم إجماع أئمة العربية عليه قيل: ونصَّ عليه سيبويه في سبعة عشر موضعا من"كتابه"، وحكاه القاضي أبو الطيب في"شرح الكفاية"عن أكثر الأصحاب، وقال ابن برهان: هو قول الحنفية بأسرهم ومعظم أصحاب الشافعي [2] .
لقد كان أخذهم برأي سيبويه حلاًّ لبعض الخلاف حول وقت صلاة العشاء مثلًا، ومن ذلك اختلافهم حول المقصود ب (غسق الليل) في قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ} [الإسراء: 78] .
(1) العناية شرح الهداية، لمحمود محمد البابرتي، دار الفكر، بيروت (1/ 39) ، ينظر: الكتاب، لسيبويه (4/ 126) ، والجنى الداني، للمرادي (1/ 25) ، ومغني اللبيب، لابن هشام (1/ 871) ، والفصول المفيدة في الواو المزيدة، للعلائي الدمشقي الشافعي، تحقيق: حسن موسى الشاعر، دار البشير، عمان، الطبعة الأولى، 1990 م (1/ 73، 74) ، والمفصل في صنعة الإعراب، للزمخشري، تحقيق: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، 1993 م (1/ 403) ، وحاشية الصبان (1/ 132) ، وموصل الطلاب إلى قواعد الإعراب، لخالد بن عبد الله الأزهري، تحقيق: عبد الكريم مجاهد، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1996 م (1/ 164) .
(2) f) ينظر: البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (2/ 4) .