فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 80

ولكنَّ البَاءَ تَرِدُ لِمَعَانٍ أَعَمُّها الإلصاقُ، فقد قيلَ: إنَّهُ معنى لا يُفارِقُهَا أبدًا، وَمِنْ ثَمَّ اِقْتَصَرَ عليه سيبويه. [1] حيثُ يروي عنه الحطَّابُ الرعيني (ت 954 هـ) : الْبَاءُ لِلتَّأْكِيدِ، كَأَنَّهُ قَالَ امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ نَفْسَهَا. [2]

ويقول ابن هشام الأنصاري:"الإلصاقُ هو: مطلقُ التَّعليقِ، وَهَذَا اَلْمَعنى أصلُ مَعَانِيهَا لا يُفارِقُهَا، يُؤيِّدُ هَذَا قَوْلَ سيبويه:"وإِنَّما هي للإلصاقِ والاختلاطِ ... وما اتَّسعَ مِنْ هذَا فِي الكَلامِ فَهَذَا أَصْلُهُ ... وأثبت مجيء الباء للتبعيض الأصمعي، والفارسي، والقتبي، وابن مالك والكوفيون، واستدلوا بالآية التي تلاها المؤلف، وبقوله تعالى: {وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ} ، وعلى هذا بنى الشَّافعي مذهبه في أنَّ الواجبَ فِي الوُضُوءِ مَسْحُ بَعْضِ الرَّأسِ" [3] ."

مِمَّا سَبَقَ يَتَجَلَّى لنا اهتمامُ الفَقَهاءِ بِما أوردَهُ سيبويه، ومِمَّا لا شكَّ أنَّ رأيه أثَّرَ فِي توجيههم الفقهي.

3 -مَسْأَلَةُ: غَسْلِ اَلْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ فِي اَلْوُضُوْءِ:

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} [المائدة:6] فَإِنَّ اَلْمِرْفَقَ غَيرُ مُنفصلٍ عَنْ اَلْيَدِ بِمِفْصَلٍ مَحسُوسٍ. وَالْخِلافُ: هَلْ يَدْخُلُ اَلْمِرْفَقَانِ فِى اَلْوُضُوءِ فَيَجِبُ غَسْلُهِمَا؟ أَمْ مَاذَا؟

قِيْلَ: إِنَّ «إِلَى» فِي قولِهِ: {إِلَى الْمَرَافِقِ} ؛ بمعنى (مع) ؛ أي: فاغسلوا أيديكم مع المرافقِ، كما في قوله تعالى: {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} [هود:52] . فدخولُ اَلْمِرفقين إنَّما تمَّ بالسُّنَّة اَلْمُطهَّرةِ. يقول ابن رشد (ت 595 هـ) :"اتَّفقَ العُلَمَاءُ على أنَّ غسل اليدين والذِّراعين مِنْ فُرُوضِ الوُضُوءِ لقوله تعالَى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ، واختلفُوا فِي إِدْخَالِ اَلْمَرَافِقِ فيها، فذهبَ"

(1) الأشباه والنظائر، للسبكى (2/ 216) ، وينظر: مغني اللبيب، لابن هشام (1/ 137) ، وحاشية الصبان، لمحمد بن علي الصبان الشافعي، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى 1417 هـ /1997 م (1/ 228) ، وكتاب الكليات، لأبى البقاء الكفومى، تحقيق: عدنان درويش، ومحمد المصري، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419 هـ / 1998 م (1/ 336) ، واللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص الدمشقي الحنبلي (7/ 221) .

(2) ينظر: مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، للحطاب الرعيني (2/ 153) .

(3) أوضح المسالك (1/ 183) . وينظر: الكتاب (4/ 217) ، والأصول، لابن السراج (1/ 413) ، والجنى الداني، للمرادي (1/ 4) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت