لَمْ يُؤلَّفْ فِي العَربيَّةِ مِثْلُهُ إلا أَنَّه يُرْوَى أنَّهُ جَاءَ إليه مرَّةً أبو حيان (ت 745 هـ) ، بكتاب سيبويه، فقد كان أبو حيان مُعجبًا به حتَّى جمعهما مجلسٌ فتحاورا في مسألةٍ من العربيةِ، فلمَّا أورد أبو حيان كلامَ سيبويه؛ كأَنَّهُ يحتجُّ به، وَبَدَأَ يَفتخرُ به عَلَى شيخِ الإِسْلامِ، قال له أبو العباسِ رحمه الله:"يَفْشُرُ سيبويه، ما كان سيبويه نبيَّ النَّحوِ، ولا كَانَ مَعْصُومًا، بَلْ أَخْطَأَ فِي (الكتاب) في ثمانين موضعًا ما تفهمها أنتَ" [1] .
مِنْ اَلْمَشهورِ فِي مُؤلَّفاتِ الأُصُولِ أَوْ أَهْلِ الأُصُولِ أَنَّهُمْ يَذْكُرُون دائمًا شيئًا مِمَّا يتعلَّق بعلْمِ اللُّغَةِ، وهُمْ يأخذُون مِنْ عِلْمِ اللُّغةِ ما يُساعِدُ عَلَى فهمِ النُّصُوصِ فهمًا صحيحًا، فمَا يتعلَّقُ بالكَلامِ وغيرِهِ يذكرونه عادةً؛ لأنَّه يُساعدُ على فهمِ النُّصوصِ واستنباطِ الأحكامِ منها استنباطًا صحيحًا، وقد مرَّ بنا ذكرُ شيءٍ من ذلك.
وَمِمَّا لاشَكَّ فيه أَهميَّةُ كتابِ سيبويه لِعُلماءِ العقيدةِ والفِقْهِ، يقول أبو عمرو الجرمي (ت 225 هـ) أَحَدُ شُرَّاحِ سيبويه، وهو عالِمٌ جليلٌ مُتمكِّنٌ مِنْ عِلْمِ اللُّغةِ والنَّحوِ؛ يقولُ: أَنَا أُفْتِي النَّاسَ مُنْذُ ثلاثين سنةً مِنْ كِتَابِ سيبويه، فأُخْبِرَ"اَلْمُبَرِّدُ"بذلك، فقال: أنا سمعتُهُ يقولُ هذا [2] .
ويؤكِّدُ الشاطبي أنَّ كتاب سيبويه يُتعلَّم منه النَّظرُ والتَّفتيشُ، واَلْمُرادُ بذلك أَنَّ سيبويه وَإِنْ تكلَّم فِي النَّحوِ، فقد نبَّه فِي كَلامِهِ عَلَى مَقَاصِدِ العَرَبِ، وأنحاءِ تَصَرُّفاتِها فِي أَلْفَاظِهَا وَمَعَانِيْهَا، وَلَمْ
(1) ينظر: أضواء على الرسالة المنسوبة إلى الحافظ الذهبي (النصيحة الذهبية لابن تيمية) ، للقونوي، دار المامون للتراث، القاهرة، 1423 هـ/2002 م (ص: 21) ، والرد الوافر، لمحمد بن أبي بكر بن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1393 هـ (ص: 65) .
(2) ينظر: مجالس ثعلب، تحقيق: عبد السلام هارون، دار المعارف، القاهرة، (ص 191) ، والموافقات، للشاطبي، (4/ 115 - 116) ، وسلسلة تراجم أعلام الثقافة العربية ونوابغ الفكر الإسلامي، لمحمد عطية الإبراشي وأبي الفتوح محمد التوانسي، مكتبة نهضة مصر، القاهرة، الطبعة الأولى، (ص 19) ، والمحصول، للرازي (1/ 238) ، والشرح على شرح جلال الدين المحلي للورقات، لمحمد بن أحمد المحلي الشافعي، تحقيق: عبد المنعم إبراهيم، مكتبة نزار الباز، مكة المكرمة، (ص: 69) .