وَحَيْثُ أَطْلَقَ الْفُقَهَاءُ اسْمَ"الْكَلَامِ"عَلَى حَرْفَيْنِ فَصَاعِدًا فِي (بَابِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّمَا غَرَضُهُمْ مَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ سَوَاءً كَانَ مُفِيدًا أَوْ غَيْرَ مُفِيدٍ وَمَوْضُوعًا أَوْ مُهْمَلًا حَتَّى لَوْ صَوَّتَ تَصْوِيتًا طَوِيلًا وَلَحَّنَ لُحُونَ الْغِنَاءِ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي اللُّغَةِ كَلَامًا [1] . وعليه لم يأخذْ جُمهُورُ الفُقَهَاءِ بِمَا ذَكَرَهُ سيبويه.
مِنْ اَلْمَعلومِ أنَّ اَلْمُسلمين يُؤدُّون الصَّلاة فِي اَلْمَساجِدِ؛ جَمع مَسْجَدٍ بفتح الجيم، وقد نُقِلَ عَنْ سيبويه مَا يُؤدِّي هذا المعنى [2] ، ومن المعلوم أيضًا أنَّ الله جعل الأرض للمسلمين مَسْجِدًا وطهورًا، ولكنَّ بَعْضُ الفُقَهَاءِ والعُلَمَاءِ قَدْ اختلفوا في معنى «مَسْجِد» بكسر الجيم وفتحها، فقيل: {مَسْجِدًا} بِكَسْرِ الْجِيمِ مَوْضِعُ سُجُودٍ لَا يَخْتَصُّ السُّجُودُ مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُونَ آخَرَ، وَهُوَ مَجَازٌ عَنْ الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ، إذْ الْمَسْجِدُ حَقِيقَةً عُرْفِيَّةً فِي الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ، فَلَمَّا جَازَتْ الصَّلَاةُ فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا كَانَتْ كَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ فَأَطْلَقَ عَلَيْهَا اسْمَهُ، فَإِنْ قُلْت: أَيُّ دَاعٍ إلَى الْعُدُولِ عَنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ اللُّغَوِيَّةِ وَهِيَ مَوْضِعُ السُّجُودِ.
أُجِيبُ بِأَنَّهُ إنْ بَنَى عَلَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ"وأمَّا المسجد فإنَّهم جعلوه أَسْماءَ للبيت ولم يأتِ على فَعلَ يفعُل" [3] ، أَنَّهُ إذَا أُرِيدَ مَوْضِعُ السُّجُودِ قِيلَ مَسْجَدٌ بِالْفَتْحِ فَقَطْ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ جَوَّزَ الْكَسْرَ فِيهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخُصُوصِيَّةَ هِيَ كَوْنُ الْأَرْضِ مَحِلًّا لِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ بِجُمْلَتِهَا لَا لِإِيقَاعِ السُّجُودِ فَقَطْ، فَإِنَّهُ لَمْ
(1) ينظر: البحر الرائق، لابن نجيم الحنفي (1/ 42) ، والفتاوى الكبرى، لابن تيمية (1/ 393) ، والكيلانية، لابن تيمية، تحقيق: محمد رياض الأحمد، دار عالم الكتب للطباعة والنشر، بيروت، 2005 م، (ص: 63) .
(2) ينظر: نيل الأوطار، للشوكاني، إدارة الطباعة المنيرية، القاهرة (2/ 160) .
(3) ينظر: الكتاب، لسيبويه (4/ 90، 92) ، والمحكم والمحيط، لابن سيده، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1421 هـ/200 م (3/ 294) ، ولسان العرب، لابن منظور (3/ 204) .