فهرس الكتاب

الصفحة 55 من 80

يقول سيبويه:"وقال - عز وجل: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} فانتصبَ لأنَّهُ أَمَرَ بالإِشْهَادِ، لأنْ تُذكِّر إحداهُما الأخرى، ومِنْ أَجْلِ أَنْ تُذكِّر، فَإِنْ قُلْتَ إنسانٌ كيف جاز أن تقولَ: أَنْ تضلَّ، ولَمْ يعد هذا للضَّلالِ وللالتباسِ، فإنَّما ذَكَرَ أَنْ تضلَّ لأنَّهُ سَبَبُ الإذكارِ، كما يقولُ الرَّجُلُ: أعددتُهُ أَنْ يَميلَ الْحائطُ فَأُدَعِمُهُ، وهو"

لا يطلبُ بإعدادِ ذلك ميلانَ الحائطِ، ولكنَّه أخبرَ بعلَّةِ الدَّعْمِ وَبِسَبَبِهِ" [1] ."

ويقول صاحبُ اللُّبابِ:"وقد أَجابَ سيبويه رحمه الله وغيرُه بأنَّ الضَّلالَ لَمَّا كان سببًا للإِذكار، والإِذكارُ مُسبِّبًا عنه، وهم يُنَزِّلون كلَّ واحدٍ من السببِ والمُسَبَّب منزلةَ الآخرِ لالتباسهما، واتِّصالهما كانت إرادةُ الضَّلال المُسَبَّب عنه الإِذكارُ إرادةً للإِذكار. فكأنه قيل: إرادة أَنْ تُذَكِّر إِحداهما الأخرى إِنْ ضَلَّتْ، ونظيرُه قولُهم:"أَعْدَدْتُ الخشبةَ أَنْ يميلَ الحائِطُ فأدعمَه، وأعدْدتُ السَّلاح أن يجيء عدوٌّ" [2] ."

3 -مَسْأَلَةُ: فِي جِمَاعِ اَلْمَرْأَةِ:

اختلفَ الفُقهاءُ والعُلماءُ فِي معنى (أنَّى) في قوله تعالى: {نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ} [البقرة: 223] ، فقد وردت روايتان إحداهما عن جابر بن عبد الله والأخرى عن ابن عباس، وتأوَّله الضَّحاك على معنى (مَتَى شِئْتُمْ) ، وتأوله جمعٌ على معناه الحقيقي من كونه اسمَ مكانٍ مُبهم، فمنهم مَنْ جعلوه ظرفًا؛ لأنَّه الأصل في أسماء المكان إذا لم يصرحْ فيها بما يصرف عن معنى الظرفية، وفسَّرُوه بِمعنى فِي أَيِّ مكانٍ مِنْ اَلْمَرأةِ شِئْتُمْ، وهو المروي في"صحيح البخاري"تفسيرًا من ابن عمر، ومنهم مَنْ جعلوه اسم مكانٍ غير ظرف وقدَّروا أنه مجرور بـ (من) ففسَّروه (من أي مكان أو جهة شئتم) ، وهو يئول إلى تفسيره بمعنى (كيف) ، ونسبَ القُرطبي هذين التأويلين إلى

(1) الكتاب، لسيبويه (3/ 53) ، وينظر: الكتاب (3/ 145) .

(2) اللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص الدمشقي الحنبلي (4/ 490) . وينظر: المحرر الوجيز، لابن عطيه (1/ 380) ، والنكت والعيون، للماوردي (1/ 356) ، تفسير الثعالبي، للثعالبي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت (1/ 231) ، وإعراب القرآن، للنحاس (1/ 20) ، والدر المصون، للسمين الحلبي (1/ 1044) ، والبحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (4/ 172) ، وشمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، لنشوان بن سعيد الحميرى، تحقيق: حسين العمري وآخرين، دار الفكر المعاصر (بيروت) ، ودار الفكر (دمشق) ، الأولى، 1420 هـ/1999 م (6/ 3900) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت