اختلف الفقهاء في معنى «الفاء» في قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة:38] ، وما يهمنا هنا ما ذكر من أن الفاء للتعليل في آية السرقة من جهة أنه رتب القطع على السرقة بها، فدل على أن السرقة هي السبب لا يأتي على مذهب سيبويه، لأنه يرى أن قوله; {فَاقْطَعُوا} جواب لما في الألف واللام من معنى الشرط، إنما الكلام عنده على معنى; فيما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة، فهذه ترجمة سيقت للتشوف إلى ما بعدها، فلما كان في مضمون الترجمة منتظرا قيل: فاقطعوا أيديهما، فالفاء إذن للاستئناف لا للجواب [1] . وإنما حمل سيبويه على ذلك أن الفاء لو كانت جوابا لقوله: {وَالسَّارِقُ} وكان الكلام مبتدأ أو خبرا لكانت القواعد تقتضي النصب في {وَالسَّارِقُ} لأن الأمر بالفعل أولى، كقوله: زيدًا اضربه. فلما رأى العامة مطبقة على الرفع تفطن، لأنها لا تجمع على خلاف الأولى، فاستدل بذلك على أنه خارج على معنى الاستئناف وذكر مثل قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقةُ} كالترجمة والعنوان. [2]
وبعد، فقد رأينا أن جمهور الفقهاء وعلماء العقيدة قد استناروا برأي سيبويه في كثير من مسائلهم، وهذا لم يمنع مخالفته في بعض المسائل أو ذكره دون ترجيح رأيه، المهم أنَّنا وجدنا سيبويه الحاضر الغائب في مسائلهم ودراساتهم.
(1) ينظر: الكتاب (1/ 143، 177) ، وإعراب القرآن، للزجاج (1/ 220) ، والبحر المديد، للإدريسي الشاذلي الفاسي، دار الكتب العلمية ـ بيروت، الطبعة الثانية، 2002 م / 1423 هـ (2/ 245) ، والتسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزى (1/ 311) ، واللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص الدمشقي الحنبلي (7/ 318) ، والمحرر الوجيز (2/ 218) ، وتفسير أبي السعود (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) ، لأبي السعود، دار إحياء التراث العربي، بيروت (3/ 34) ، وتفسير البحر المحيط (3/ 382) ، وتفسير الرازي (1/ 1653) ، وتفسير الكشاف، للزمخشري، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (1/ 663) ، والبرهان في علوم القرآن (3/ 139) ، والتبيان في علوم القرآن، للعكبري (1/ 435) ، والدر المصون (1/ 2001) ، ومشكل إعراب القرآن، لمكي بن أبي طالب القيسي، تحقيق: د. حاتم صالح الضامن، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ (1/ 225) ، وغيرها.
(2) ينظر: الكتاب (1/ 142) وما بعدها، والبحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (4/ 176) .