ب- اختلف الفقهاء في قوله تعالى {فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ، فقال إمام الحرمين: ولأن"أطعم"يتعدى إلى مفعولين، والمهم منهما ما ذكر، والمسكوت عنه غير مهم. وقد ذكر الله تعالى عدد المساكين، وسكت عن ذكر الطعام، فاعتبروا المسكوت عنه وهو الأمداد، وتركوا المذكور وهو الأعداد [1] .
وألخص هنا رواية الزَّركشي حيث يقول: وانتصر بعض الحنفية لمذهبهم بوجهين: فقهي، ونحوي. أمَّا الفقهي: فلأنه لا يلزم من مذهبهم إبطال النص إلا لو جوزوا إعطاء المسكين الواحد ستين مدا في يوم واحد، وهم لا يقولون ذلك، بل يراعون صورة العدد، ويشترطون تكرير ذلك على المسكين الواحد تكرير الأيام ... وأمَّا النحوي فيذكر أن سيبويه قال: إن المصدر يقدر"بما، وأن" [2] ، فإذا قدرنا المصدر هنا وهو"الإطعام"بمعنى"ما"اقتضى ذلك ما قالته الحنفية، ويكون التقدير: فمن لم يستطع فما يطعم ستين مسكينا. وهذا التقدير يخرج أبا حنيفة إلى المذهب الذي أراد، وإن صدر"بأن"كان التقدير: فعليه أن يطعم ستين مسكينا، وهذا التقدير الأخير يخرج إلى ما يريد.
ويقول الزركشي أيضًا:"قال: وقد زاحمنا أبا المعالي فيما يتعلق به من صناعة النحو، وذكرنا لأبي حنيفة تعلقا منها من وجه آخر، ذكره الإمام الأول فيها، وهو سيبويه [3] ."
اختلفَ الفُقهاءُ فِي جَوَازِ السَّلامِ عَلَى الكَافِرِ، وصيغته، وذلك خلال تفسيرهم لقوله تعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِى الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] .
(1) ينظر: البرهان، للجويني (1/ 555) .
(2) ينظر: الكتاب، لسيبويه (1/ 390) .
(3) البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (3/ 37) ، ورفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، للسبكي، تحقيق: علي محمد معوض، وعادل أحمد عبد الموجود، عالم الكتب، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1999 م / 1419 هـ، (3/ 463) ، والمعتمد في أصول الفقه، لمحمد بن علي بن الطيب البصري، تحقيق: خليل الميس، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت، 1403 هـ (1/ 306) .