فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 80

ويذكر جمهور الفقهاء والعلماء قول سيبويه: إِنَّما معناه اَلْمُتاركةُ، والمقصود منه التهديد [1] ، يقول سيبويه:"وزعم أبو الخَطّاب أَنّ مثَلَه قولُك للرجل سَلامًا تريد تسلُّمًا منك كما قلت براءَةً منك تريد لا أَلْتَبسُ بشئٍ من أمرك، وزعم أن أبا ربيعة يقول: إذا لقيتَ فلانا فُقْل له سَلامًا، فزعم أنَّه سأَله ففَسَّرَه له بمعنى براءةً منك، وزعم أنّ هذه الآية {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان:63] بمنزلة ذلك؛ لأنّ الآيَةَ فيما زَعم مكّيّةٌ ولم يؤمَرِ المسلمون يومئذ أن يسلَّموا على المشركين، ولكنّه على قولك براءة منكم وتسلُّما لا خيرَ بيننا وبينكم ولا شرَّ" [2] ، ويقول النحاس:"أي: أعرض عنهم (وقل سلام) ؛أي: مسالمة ومتاركة، والتقدير في العربية: أمري سلام. زعم الفراء أن التقدير: سلام عليكم، ثم حذف وهذا خلاف ما قال المتقدمون، وقد ذكر مثل هذا سيبويه، وقال نزل بمكة من قبل أن يؤمروا بالسلام، وأيضا فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد نهى أن يبدأ اليهود والنصارى بالسلام وحظر على المسلمين فصحَّ أن معنى {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} ؛ أنه ليس من التسليم في شيء، وإنما هو من المتاركة والتسليم" [3] .

وقد احتجَّ قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر [4] ، ونظيره قول إبراهيم لأبيه {سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي} [مريم: 47] . والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية، قال الطبري: معناه أمنة مني لك. وعلى هذا لا يبدأ الكافر بالسلام. وقال بعضهم في معنى تسليمه: هو تحية مفارق، وجوز تحية الكافر وأن يبدأ بها. قيل لابن عيينة: هل يجوز السلام على الكافر؟ قال: نعم [5] .

(1) ينظر: اللباب في علوم الكتاب، لأبي حفص الدمشقي الحنبلي (17/ 305) ، وروح المعاني، للألوسي (19/ 44) ، وإعراب القرآن المنسوب للزجاج، للباقولي علي بن الحسين بن علي، تحقيق ودراسة: إبراهيم الإبياري، دار الكتاب المصري، القاهرة، ودار الكتب اللبنانية، بيروت -، القاهرة، بيروت، الطبعة الرابعة، 1420 هـ (2/ 10) .

(2) الكتاب، لسيبويه (1/ 324، 325) .

(3) إعراب القرآن، للنحاس (4/ 124) .

(4) ينظر: تفسير الرازي (27/ 201) .

(5) ينظر: تفسير القرطبي (11/ 111) ، وفتح الباري، لابن حجر (17/ 487) ، وفيض القدير (1/ 376) ، والحاوي، للماوردي (14/ 319) ، وقرة العين بفتاوى علماء الحرمين، لحسين المغربي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، الأولى، 1356 هـ/ 1937 م (1/ 367) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت