مِمَّا لاشكَّ فيه أنَّ مَسَائِلَ اَلْمُعامَلاتِ كثيرةٌ ومُتشعِّبةٌ فِي ثَنَايَا اَلْمُؤلَّفاتِ اَلْعَقَدِيَّةِ والفقهيَّةِ، وَمِمَّا هُو وَاضِحٌ وُجُودُ رأي سيبويه اللَّغوي الأبرز فِي كثيرٍ من هذه اَلْمَسَائِلِ، وسنذكرُ هنا أمثلةً يسيرةً جِدًا، لِنُدَلِّلَ عَلَى أَثَرِ سِيبويه فِي بَعْضِ الَمَسَائِلِ الفِقهيَّةِ فِي اَلْمُعَامَلاتِ الإِسْلامِيَّةِ، ومن ذلك ما يأتي:
1 -مسألة: قاعدة «الأمور بمقاصدها» :
من قواعد الفقه المهمة المشهورة قاعدة «الأمور تجري بمقاصدها» ، وقد اشْتَمَلَتْ قَاعِدَةُ الْأُمُورِ بِمَقَاصِدِهَا عَلَى عِدَّةِ قَوَاعِدَ، ومَسَائِلُهَا لَا تُحْصَى وَفُرُوعُهَا لَا تُسْتَقْصَى، وقد تأثر كثيرٌ من الفقهاء فيها بما ذكره سيبويه في كتابه عن الْكَلَامِ، حيث قال سيبويه وَالْجُمْهُورُ بِاشْتِرَاطِ الْقَصْدِ فِيهِ، فَلَا يُسَمَّى كَلَامًا مَا نَطَقَ بِهِ النَّائِمُ وَالسَّاهِي وَمَا تَحْكِيهِ الْحَيَوَانَاتُ الْمُعَلَّمَةُ، وَخَالَفَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَسَمَّى كُلَّ ذَلِكَ كَلَامًا. [1]
2 -مَسْأَلَةُ: فِي شَهَادَةِ المَرْأَتين:
مِنْ اَلْمَعْلُومِ أنَّ شَهادَة الرَّجُلِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ اِمْرأتين، كما قال تعالى: {أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى} [البقرة:282] ، واختلفَ الفُقَهَاءُ فِي قوله {أَن تَضِلَّ} ، قيل: اَلْمَقصُودُ إِذْ كَانَ إحداهما تنسى، إذا نسيتْ أو ضلَّتْ، فلمَّا كَانَ الضَّلالُ سببًا للادِّكارِ جُعِلَ مَوْضِع العِلَّةِ، كما تقولُ: أَعْدَدْتُ هذه اَلْخَشَبَةَ أَنْ يَميلَ اَلْحَيطُ فَأُدَعِّمَهُ بِها، فَإِنَّما أَعْدَدْتُها لِلدَّعمِ لا لِلمَيْلِ. هَذَا قَولُ سيبويه والبصريين، وقدَّره الكوفيون فِي تذكيرِ إحداهُما الأُخرى إِنْ ضَلَّتْ، فلمَّا تقدَّمَ اَلْجَزاءُ اِتَّصَلَ بِما قبله فصحَّتْ"أَنْ" [2] .
(1) ينظر: الأشباه والنظائر، للسبكي (1/ 93) ، الأشباه والنظائر، لابن نجيم (ص: 54) ، وغمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر، لشهاب الدين الحموي (1/ 379) .
(2) البحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (4/ 172) .