وقول الْحَنَفِيَّةُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ نُحَاةِ الْكُوفَةِ، وَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ سِيبَوَيْهِ. وَبَقِيَّةِ الْبَصْرِيِّينَ [1] .
أمَّا قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَينِ} فإنْ كانت"إلى"بمعنى (مع) فالمعنى واضحٌ، وإنْ كانت"إلى"للغاية"فإنَّ السُّنَّة هي التي أوضحتْ وجوبَ غَسْلِ الرِّجلين إلى الكعبينِ -كما تقدَّم" [2] . والْخِلافُ أيضًا: هَلْ يدخلُ الكعبان فِي الوُضُوءِ فيجبُ غسلهما؟ أم ماذا؟ وَالْكَعْبَانِ هُمَا اَلْجُزءانِ البَارزان فِي أَعْلَى اَلْقَدَمِ، واَلْخِلافُ فِى دُخُولِهِمَا هُو كَالْخِلافِ فِى دُخُولِ اَلْمِرْفقين، واَلْحُجَّةُ وَاحَدَةٌ. [3] وَفِي هَذَا الشَّأنِ يقولُ إمام الحرمين الجويني:"فَالْمُختارُ إِذَا فِي قَولِه: {وأرجُلِكُم} ما ذكره متبوعُ الجماعةِ وسيدُ الصِّناعةِ سيبويه". [4]
لَقَدْ اختلفَ العُلَماءُ فِي اَلْمُوالاةِ فِي اَلْوُضُوءِ، قال الأوزاعي ومالك وقتادة والليث وأحمد في رواية والشافعي في القديم يري الفقهاء أن يُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذِكْرِهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ الْآيَةَ [المائدة:6] [5] .
وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ وَالتَّعْقِيبُ يَدُلُّ عَلَى التَّرْتِيبِ، فَيُفِيدُ تَرْتِيبَ غَسْلِ الْوَجْهِ عَلَى الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ، وَإِذَا ثَبَتَ التَّرْتِيبُ فِيهِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمُرَتَّبِ وَالْمَعْطُوفُ عَلَى
(1) الكوكب المنير شرح مختصر التحرير، لابن النجار الحنبلي، تحقيق: محمد الزحيلي، مكتبة العبيكان، 1413 هـ/1993 م (2/ 49) .
(2) أضواء البيان، للشنقيطي (1/ 275) .
(3) زهرة التفاسير، لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، بيروت (ص: 2050) .
(4) البرهان في أصول الفقه، للجويني (1/ 328) .
(5) ينظر: الدين الخالص، لمحمود السّبكى، نقحه وضبطه: أمين محمود خطاب، القاهرة، الطبعة الثالثة، 1401 هـ / 1980 م (1/ 296) ،
والمغني، لابن قدامة (1/ 137) ، ورد المحتار على الدار المختار، لابن عابدين (1/ 83) ، وجواهر الإكليل شرح مختصر خليل، لصالح
عبد السميع الأبي الأزهري، المكتبة الثقافية، بيروت (1/ 16) ، والموسوعة الفقهية الكويتية (11/ 164) .