الجُمهورُ ومَالكٌ والشَّافعي وأبو حنيفة إلى وُجُوبِ إدخالها، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وبعض مُتأخري المَالكيَّةِ والطَّبري إلى أنَّه لا يجبُ إدخالها في الحكم" [1] . وسببُ الاختلافِ الاشتراكُ الذي فِي (إلى) هَلْ هي للغايةِ؟ أو هي بمعنى (مع) ؟ وكذلك اليدُ فِي كلامِ العربِ تُطلقُ علَى الكَفِّ فَقَطْ، وعَلَى الكَفِّ والذِّراعِ والعَضُدِ. وهكذا ترى كيف أدَّى اختلافُ اَلْمَعنى فِي (إلى) إِلَى اختلافِ اَلْحُكمِ، فإذَا كانتْ (إلى) بِمعنى (مع) ، فَالْمِرفقان داخلان فِي اَلْحُكْمِ، وإِذَا كَانَتْ لِلغايةِ فَإنَّ اَلْمِرفقين داخلان بالسُّنَّةِ اَلْمُطهَّرةِ."
قال ابنُ جريرٍ الطَّبرى وبعضُ الفُقَهَاءِ [2] : إِنَّ غَسْلَ اَلْمُرفقين ليس بفرضٍ ولكنَّهُ سُنةٌ؛ لأنَّ الغايةَ فِى قوله تعالى: {إِلَى الْمَرَافِقِ} تَحتملُ أَنْ يدخلَ اَلْمِرفقان فِي الوُجُوبِ، وتحتملُ أَلا يدخلا، ولا وجوب مع الاحتمالِ، ولكن الاحتياطِ فِي الغُسلِ؟ ولذا كان سُنَّةً. وقالَ بعضُ الفُقَهاءِ: إِنَّهُمَا دَاخلان فِي وُجُوبِ الغَسْلِ، وبنى ذلك على أَنَّ (إلى) بمعنى (مع) وعلى ما قرره سيبويه مَعَ بَعْضِ عُلَمَاءِ اللُّغةِ؛ مِنْ أَنَّ مَا بَعْد «إلى» إِذَا كَانَ مِنْ نَوْعِ مَا قبلها دخلَ فِي اَلْحَدِّ، وإلا لا يدخل، وعلى ذلك يكون المرفقان داخلين؟ ولأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لازمَ فِي وضوئه غَسْلَ اَلْمِرفقين، ولم يعرفْ أنَّه غَسَلَ اليدين مِنْ غيرِ اَلْمِرفقين. وقال إمام الحرمين في"البرهان": إنَّه مذهب سيبويه. [3] فإنَّ اَلْمِرفقَ مُنفصلٌ بِجزءٍ مُشتبهٍ، وليس تعيين بعض الأجزاء أولى من تعيين البعضِ فَوَجَبَ اَلْحُكمُ بالدُّخولِ.
(1) بداية المجتهد ونهاية المقتصد، لابن رشد، تحقيق عبد المجيد طه، دار المعرفة، بيروت، الطبعة الأولى، 1997 م، (1/ 36) .
(2) ينظر: تفسير الطبري (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) ، لابن جرير الطبري، تحقيق: محمود شاكر، وأحمد شاكر، دار المعارف، القاهرة، 1337 هـ (10/ 47) ، والأم، لمحمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1400 ه /1980 م (1/ 22) ، والبحر المحيط في أصول الفقه، للزركشي (2/ 54) ، والقواعد والفوائد الأصولية وما يتبعها من الأحكام الفرعية، لابن اللحام البعلي الدمشقي الحنبلي، تحقيق: عبد الكريم الفضيلي، المكتبة العصرية، 1420 هـ / 1999 م (1/ 199) .
(3) ينظر: البرهان، للزركشي (4/ 422) ، والبحر المحيط، للزركشي (2/ 484) ، والقواعد والفوائد، لابن اللحام (ص: 199) .