فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 80

ذَلك قَوْلُهُ:"اِعْلَمْ أَنَّ عِلَلَ النَّحويين؛ وَأَعْنِى بَذَلِكَ حُذَّاقَهُمْ اَلْمُتْقِنِينَ لا أَلْفَافَهم اَلْمُستضْعَفِين أَقْرَبُ إِلَى عِلَلِ اَلْمُتكلِّمين مِنَهَا إِلَى عِلَلِ اَلْمُتَفَقِّهين" [1] .

وَقَدْ عَبَّر عَنْ ذَلِكَ الأُسْتَاذُ سَعِيْدُ الأفغاني (ت 1997 م) ، مُبيِّنًا أَثَرَ مَنَاهِجِ اَلْعُلُومِ اَلدِّينيَّةِ عَلَى مَنَاهِجِ اَلنّحْوِ، فَقَالَ:"إنَّ عُلُمَاءَ اَلعَربيَّةِ اِحْتَذُوا طَرِيْقَ اَلْمُحَدِّثينَ مِنْ حَيْثُ اَلْعِنَايَةِ بِالسَّنَدِ، وَرِجَالاتِهِ، وَتَجْرِيْحِهِمْ، وَتَعْدِيْلِهِمْ، وُطُرُقِ تَحمُّلِ اللُّغةِ، وكَانَتْ لَهُمْ نُصُوْصُهُمْ اللُّغويَّةُ، كَمَا كَانَ لِأُولئِكَ نُصُوْصُهُمْ الدِّينيَّةِ، ثُمَّ حَذُوا حَذْوَ اَلْمُتكلِّمين فِي تَطْعِيمِ نَحْوِهِمْ بِالفَلْسَفَةِ وَالتَّعليمِ، ثُمَّ حَاكُوا اَلْفُقَهَاءَ أَخِيْرًا فِي وَضْعِهِمْ للنَّحوِ أُصُولًا تُشْبِهُ أُصُوْلَ اَلْفِقْهِ، وَتَكَلَّمُوا فِي الاجْتِهَادِ كَمَا تَكَلَّمَ اَلْفُقُهَاءُ، وكَانَ لَهُمْ طِرَازُهُمْ فِي بِنَاءِ اَلْقَوَاعِدِ علَى السَّماعِ، وِالْقِياسِ، وَالإِجْماعِ، وَذَلك أَثَرٌ وَاضِحٌ مِنْ آَثَارِ اَلْعُلُومِ الدِّينيَّةِ فِي عُلُومِ اللُّغَةِ" [2] .

ثَالِثًا: اَلتَّفاعُلُ بَيْنَ اَلْفِقْهِ وَالنَّحْوِ:

إِنَّ النَّاظِرَ لِكُتُبِ اَلْفِقْهِ وَمُدَوِّنَاتِهِ، وَالدَّارِسَ لِمَبَاحِثِهِ وَمَوْضُوعَاتِهِ، لا يَجِدُ صُعُوبَةً تُذْكَرُ لِمُلاحَظَةِ التَّزَاوُجِ الطَّبعِي بِيْنَ الْفِقْهِ والنَّحْوِ، وَفَنُّ مَدَارِ الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ عَلَى الأُصُولِ النَّحويَّةِ شُغْلُ الفُقَهَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ عَلَى السَّوَاءِ، وَقَدْ اِسْتَفَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ مِنْ خِلالِ اَلْمُسَاجِلاتِ اَلْفِقْهِيَّةِ وَالْمُنَاظَرَاتِ اَلْعِلْمِيَّةِ، وكَانَ مِنْ أَبْرَزِهَا اَلْمَسَائِلُ الَّتي أَدَارَهَا اَلْكِسَائِيُّ (ت 189 هـ) أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ مَعَ اَلْقَاضِي أبا يوسف (ت 182 هـ) عَلَى الأُصُوْلِ العَربيَّةِ، وَكَذَا اَلْفَرَّاءُ (ت 207 هـ) أَثْنَاءَ مُنَاظَرَتِهِ مَعَ اَلْفَقِيْهِ اَلْبَارعِ محمد بن الحسن الشيباني (ت 189 ه) .

ثُمَّ تتالتْ اَلْجُهودُ فِي هَذَا اَلْمِضْمَارِ، خَاصَّةً فِي كُتُبِ الْفُرُوْعِ اَلْفِقْهِيَّةِ؛ كَالْوَجِيْزِ للإمامِ الغزالي (ت 505 هـ) ، وشرحه الكبير للرَّافعي (ت 623 هـ) ، والمُهذّب للشِّيرازي (ت 446 هـ) ، والمُغْنِي والمُقْنع لابن قدامة (ت 620 هـ) ، وغيرها مِنْ اَلْمُصنَّفَاتِ اَلْكَبِيْرَةِ وَالصَّغيرةِ دَاخِلَ اَلْمَذَاهِبِ، فَظَلَّ هَذَا النَّوعُ مِنْ اَلْجُهُودِ فِي هَذَا اَلْمِيدَانِ مُتناثِرًا وُمُبعثرًا فِي ثنايا اَلْمَصَادِرِ اَلْفِقْهيَّةِ وَاللُّغويَّةِ حينًا مِنْ الزَّمَنِ، حتَّى جَاءَ الإمَامُ الإسنويُّ مِنْ خِلالِ كِتابيه"التَّمهيدِ فِي تَخْرِيجِ الفُرُوعِ عَلَى الأُصُوْلِ"، و"الكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ فِيَمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى الأُصُوْلِ النَّحْوِيَّةِ مِنْ اَلْفُرُوْعِ اَلْفِقْهِيَّةِ"، وَالكِتَابُ الثَّانِي كَمَا وَصَفَهُ مُحقِّقُهُ:"دَرْسٌ عَمَلِيٌّ جَادٌّ، لِلتَّفَاعُلِ اَلْحَارِّ اَلْمُثمِرِ بينَ عِلْمِ العَرَبيَّةِ وَبينَ"

(1) الخصائص، لابن جني (1/ 48) ، وينظر: (1/ 49 - 96) و (1/ 115 - 200) .

(2) في أصول النحو، لسعيد الأفغاني، ط الجامعة السورية، دمشق، 1964 م (ص 104) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت