فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 80

إِنَّ العَلاقَةَ بَيْنَ أُصُوْلِ اَلْفِقْهِ وَأُصُوْلِ اَلنَّحوِ تَكَادُ تَتَشَابَهُ وَتَتدَاخَلُ، نَظَرًا لِلْوِحْدَةِ اَلاصْطِلاحِيَّةِ اَلّتِي يَدُوْرُ حَوْلَها هَذَانِ العِلْمَانِ، فَإِذَا كَانَ عِلْمُ الأُصُولُ مَوْضُوعَه"عِلْمَ أَدِلَّةِ اَلْفِقْهِ". وَإِذَا كَانَ اَلْفُقَهَاءُ قَدْ قَسَّمُوا اَلْحُكْمَ اَلشَّرعيَّ إِلَى وَاجِبٍ وحَرَامٍ وَمَندُوبٍ وَمَكْرُوُهٍ وَمُبَاحٍ، وَوَضْعِيٍّ [1] ، فكذلك ذهبَ النَّحويونَ فِي تَقْسِيْمِهِمْ لِلْحُكْمِ النَّحويِّ، فهُو عندهم وَاجِبٌ، وَمَمنوعٌ، وَحَسَنٌ، وقَبِيحٌ، وِخِلافُ الأَوْلَى، وَجَائِزٌ عَلَى السَّواءِ [2] . وَإِذَا كَانَتْ أَدِلَّةُ اَلْفِقْهِ اَلرَّئيسةِ التي عليها مَدَارُ الدَّليلِ هِي النَّقْلُ"الكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالإِجْماعُ"، وكَذَا القِياسُ، فَإِنَّ أَدِلَّةَ النَّحْوِ الأَسَاسِيَّةِ تَنْحَصِرُ هِي بِدَوْرِهَا فِي اَلنَّقلِ وَالإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ اِسْتِصْحَابِ اَلْحَالِ [3] .

وَقَدْ وَقَعَ الاخْتِلافُ بِيْنَ النُّحَاةِ فِي إِثْبَاتِ الاسْتِحْسَانِ أَوْ عَدَمِ إِثْبَاتِهِ، اَلأَمْرُ نَفْسُهُ نَاقَشَهُ أَهْلُ الأُصُوْلِ، فَمِنْهُمْ مَنْ اِعْتَبَرَهُ، وَهُمْ الأَكْثَرُ، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ إِبْطَالَهُ [4] .

وَيَتركَّزُ التَّشابُهُ بينَ عِلْمِ أُصُوْلِ اَلْفِقْهِ وَعِلْمِ النَّحوِ بِصُوْرَةٍ خَاصَّةٍ فِي مَبْحَثِ اَلْقِيَاسِ كَمَا مَرَّ، فَضْلًا عَنْ التَّشابُهِ فِي مُصْطَلَحَاتِ تقسيمِ اَلْحُكْمَيْنِ الشَّرْعِيّ وَالنَّحْوِيّ، وأَدِلَةِ الْفِقْهِ وَالنَّحْوِ الرَّئيسَةِ. وَتَجْدُرُ اَلإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ صِلَةَ اَلنَّحْوِ بِالْفِقْهِ وَأُصُوْلِهِ صِلَةٌ ذَاتَ شِقَّينِ [5] ، شِقٌّ تَظهرُ فَيْهِ مَقُوْلاتُ النُّحَاةِ فِي أُصُوْلِ النَّحْوِ مَحمولةً عَلَى أُصُولِ اَلْفِقْهِ، وَلَعَلَّ ابنَ جني (ت 392 هـ) أوَّلُ مَنْ أَشَارَ إِلَى اَلصِّلَةِ اَلْقَوِيَّةِ بَيْنَ أُصُولِ اَلْفِقْهِ وَأُصُوْلِ الْكَلامِ وَبينَ أُصُوْلِ النَّحْوِ فِي كِتَابِهِ"اَلْخَصَائِصِ"فِي: نَوْعِ عُللِ العَربيَّةِ، وَجَوَازِ القِيَاسِ، وَتَعَارُضِ السَّماعِ وَالقِيَاسِ، وَالاسْتِحْسَانِ، وَتَخْصِيْصِ اَلْعِلَلِ، وِمِنْ

(1) ينظر: الحكم الشرعي عند الأصوليين، لحسين حامد حسان، دار النهضة العربية، القاهرة، 1972 م (ص 65) .

(2) ينظر: الاقتراح في علم أصول النحو، للسيوطي (ص 10 - 11) .

(3) ينظر: لمع الأدلة في أصول النحو، لابن الأنباري، تحقيق: سعيد الأفغاني، ط الجامعة السورية، 1956 م، (ص 80) ، والاقتراح، للسيوطي (ص 4، 83) .

(4) لَمْ يُنكرْ الشَّافعيُّ العملَ بالاستحسانِ الشَّرعيِّ، كما هو المشهور عنه، بخلاف مَنْ نسب إليه ذلك. وأمَّا ابن حزم (ت 456 هـ) فقد اُشتهر عنه إبطال القياس والرأي والاستحسان التقليد والتعليل. أما الاستحسان عند النُّحاةِ فقد اعتبر ابن جني أنَّ علَّته ضعيفة غير مُستحكمةٍ، إلا أنَّ فيه ضربًا من الاتِّساعِ والتَّصرُّفِ. ينظر: الرسالة، لمحمد بن إدريس الشافعي، دراسة وتحقيق: أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، الأولى، 1358 هـ/1940 م (ص 503 - 517) ، والخصائص، لابن جني، تحقيق: محمد علي النجار، عالم الكتب، بيروت (1/ 133 - 137) ، والاقتراح، للسيوطي (ص 76) ، والكوكب الدري، مقدمة المحقق (ص 50) .

(5) الكوكب الدري، للإسنوي، مقدمة المحقق (ص 146) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت