اَلْمَسَائِلُ اَلْعَقَدِيَّةُ التي حَفِلَتْ بذكر بعض آراء سيبويه فيها في كُتُبُ العَقِيدَةِ كثيرةٌ جدًا، بيدَ أنَّنا سنذكرُ بعضَ الأَمْثِلَةِ اليسيرة جدًا؛ تأكيدًا لفكرةِ هَذَا اَلْبَحْثِ وَتَحقيقًا لبعضِ أهدافِهِ، بعيدًا عَنْ اَلْخِلافَاتِ اَلْعَقَدِيَّةِ أَوْ النَّحويَّةِ أَوْ اَلْمَذْهبيَّةِ، وذلك عَلَى النَّحْوِ الآتِي:
1 -مَسْأَلَةُ: لَفْظِ الجَلالَةِ"الله"أعرفُ اَلْمَعَارِفِ:
يَرَى كثيرٌ مِنْ عُلمَاءِ العقيدةِ أنَّ اِسْمَ اَلْجَلالة «الله» : علمٌ عَلَى الذَّاتَ الوَاجِبِ الوُجُودِ، اَلْمُستحقِّ لِجَميعِ اَلْمَحَامِدِ، وَهُو أَشْهَرُ أَسْمائِهِ تعالَى، وقيلَ: إِنَّهُ اِسْمُ اللهِ الأعظمُ الذي إذَا سُئِلَ به أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ به أجابَ؛ إِذَا وُجِدَ شَرْطُهُ وهُو التَّقْوَى، وَلِذَا قَبَضَ الله تعالى عنه الألسُنَ فَلَمْ يَتَسمَّ به أحدٌ؛ قال تعالى: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} [مريم: 56] ؛ أي: هل تعلم أحدًا من المخلوقات سُمِّيَ الله؟ والاستفهام بمعنى النَّفي؛ أي: لم يتسمَّ به غيره [1] .
ومَنْ يطَّلعْ عَلَى آَرَاءِ عُلَمَاءِ العَقيدةِ والفِقْهِ فِي جُلِّ مُؤلَّفاتِهم يَجدْ أَنَّهُمْ يهتمُّون بِمسائِلَ شتَّى تدورُ حولَ لَفْظِ اَلْجلالةِ «الله» ، وفي كثيرٍ من هذه المسائِلِ - علَى الرَّغْمِ مِنْ اختلافِهِمْ في بعضِهَا - نَجدُهُمْ يركنون إلى رأي سيبويه اللُّغوي لِيُسْعِفَهُمْ فِي سَدِّ هُوَّةَ اَلْخِلافِ العَقَدِي!!
ولفظُ الجلالةِ «الله» هو اسمٌ - فِي لُغَةِ العَرَبِ - دَالٌّ عَلَى الذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ، اَلْجَامِعَةِ لِجميعِ صِفَاتِ الكَمَالِ، وَالْمُنزَّهةُ عَنْ أَيِّ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ النُّقصانِ التي لا تليقُ بكَمَالِ الأُلُوهِيَّةِ والرُّبُوبيَّةِ، وهو أعظمُ أَسْماءِ اللهِ اَلْحُسنى وَأَجْمَعُهَا وأَشْهَرُهَا وأَبْهَرُهَا، حَتَّى إِنَّ الأَسْماءَ كُلَّها تُضَافُ إليه، وتُعَرَّفُ به، فَيُقَالُ: الرَّحمنُ الرَّحيمُ مِنْ أَسْمَاءِ «الله» ، والقُدُّوسُ والسَّلامُ مِنْ أَسْماءِ «الله» ، ولا يُقال: «الله» من أسماءِ الرَّحمنِ، قال الله تعالى: {ولِلَّهِ الأسْماءُ الحُسْنَى} [الأعراف:180] . و «الله» اسمٌ لم يُسمَّ به غيرُ اَلْخَالِقِ سُبحانه وتعالى، ولم يَجسرْ أحدٌ من المخلوقين على أنْ يتسمَّى به. إنَّه علمٌ
(1) ينظر: البهجة في شرح التحفة، للتسولي، ضبطه وصححه: محمد عبد القادر شاهين، دار الكتب العلمية، لبنان، بيروت، الطبعة الأولى، 1418 هـ/1998 م، (1/ 15) ، ونقض الإمام عثمان بن سعيد الدارمي، للدارمي، تحقيق: رشيد بن حسن الألمعي، مكتبة الرشيد، الرياض، الطبعة الأولى، 1998 م، (1/ 168) ، ومصنف ابن أبي شيبة، لابن أبي شيبة، دار الفكر، بيروت، 1414 هـ (6/ 47/ح:29366) ، ونزهة المجالس ومنتخب النفائس، للصفوري، تحقيق: عبد الرحيم مارديني، (دار المحبة - بيروت) (دار آية - دمشق) 2001/ 2002 م، (1/ 30) .