فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 80

وَقَدْ يُمْكِنُنَا أَنْ نُلخِّصَ أَهَمَّ مَلامِحِ عَلاقَةِ النَّحوِ بِالفِقْه عَلَى النَّحْوِ الآتي:

أَوَلًا: تَخْرِيْجُ اَلْفُرُوعِ اَلْفِقْهِيَّةِ عَلَى اَلْقَوَاعِدِ النَّحْوِيَّةِ:

مِمَّا لا رَيْبَ فَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّ عِلْمَ اللُّغَةِ وَالنَّحْوِ مِنْ أكثرِ العُلومِ اِرْتِبَاطًا وَتَدَاخُلًا بِالشَّريعَةِ الإِسْلامِيَّةِ وَفُنُونِها، وَلا أَدَلَّ عَلَى ذَلَك مِنْ أَنَّ عِلْمَ اَلنَّحْوِ شِرْطٌ أَسَاسِيٌّ وَضَعَهُ عُلَمَاءُ الأُصُولِ لِمَنْ أَرَادَ تَبَوَّأَ رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ، بَلْ هُو فَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، كَمَا قَالَ الرَّازي (ت 606 هـ) وغيره. وَيُضَافُ إِلَى هَذَا أَنَّ أَحْكَامَ الشَّريعةِ ونُصُوصِها مُمثَّلةً فِي القُرآنِ والسُّنةِ الشَّريفةِ تُعَدُّ أَصْلًا ثَابِتًا مِنْ أُصُولِ الاحْتِجَاجِ فِي النَّحوِ واللُّغةِ دُونَ نكيرٍ، فَالتَّفاعُلُ وَقَعَ بَيْنَهُمَا وَلا يُمكنُ فَصْلُ أَحَدِهِمَا عَنْ الآخر. فَمَا مِنْ عِلْمِ شَرعيِّ إلا وَيُشكِّلُ عِلْمُ النَّحوِ واللُّغةِ فيه حَجَرَ الزَّاويَةِ، ولا يتأَتَّى الإبداعُ فيه إلا لِمَنْ أَتْقَنَهَا بَحثًا وَمُمَارَسَةً، وَالأَدِلَّةُ عَلَى ذَلِكَ كثيرةٌ لا يُمكنُ حَصْرُهَا، وَلَو استعرضنا مَصَادِرَ العُلُومِ كَافَّةً لوقفنا على هذا التَّزاوِجِ الطَّبعِي الذي لا يُمكنُ فَكَّ عُقًدِهِ بِحالٍ.

ثَانِيًا: اَلتَّفاعُلُ بَيْنَ أُصُولِ اَلْفِقْهِ وَعِلْمِ اَلنَّحْوِ:

شَهِدَتْ العُلومُ فِي مَرْحَلَةِ مِنْ اَلْمَرَاحِلِ اَلْمُتقدِّمَةِ نُزُوعًا إِلَى التَّحدُّدِ اَلْوَاضِحِ اَلْمُعالِمِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُجْمَلَةً لا يَكَادُ يَظْهَرُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، حَيْثُ ظَهَرَتْ عَلَى السَّاحَةِ العِلْمِيَّةِ تَخَصُّصَاتٌ وَبَرَزَتْ إِلَى اَلْوُجُودِ مَعَها مُصَنَّفَاتٌ، فَكَانَ أَنْ شَهِدْنَا مِنْهَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ كِتَابَ سِيبويه (ت 180 هـ) الذي أكمل به كثيرًا من أُسُسِ عِلْمِ النَّحْوِ، وهُو عُمْدَةٌ النُّحاةِ وَمَأخَذُهُمْ فِي تَصَانِيْفِهِمْ، كَمَا شَهِدَتْ اَلْمَرْحَلَةُ ظهور أول كتاب في أصول الفقه وهو"الرسالة"للإمام الشافعي (ت 179 هـ) الذي أَلَّفَهُ عَلَى أُسُسٍ مَتِينَةٍ؛ اِعْتَمَدَ فِيْهَا عَلَى الأُسْلُوبِ اللُّغَوِيِّ الوَاضِحِ، مَعَ حُسْنِ التَّرتِيْبِ وَالتَّنظيمِ وَالْفَصَاحَةِ فِي التَّعبيرِ، وَلا غَرَابَةَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ اِنْكَبَّ - رَحِمَهُ اللهُ - مَا يَقْرُبُ مِنْ العِشرينَ سنةً عَلَى دِرَاسَةِ عِلْمِ العَرَبِيَّةِ فِي مَعَاقِلِهَا الأُوْلَى. وَحَيْثُ إنَّ عِلْمَ أُصُولِ الفِقْهِ إِنَّمَا هُو عِلْمُ أَدِلَّةِ الفِقْهِ، وَأَدِلَّةُ اَلْفِقْهِ إِنَّمَا هِيَ اِلْكتَابُ وَالسُّنةُ، وَهَذَان اَلْمَصْدَرَانِ عَربيانِ، فإِذَا لَمْ يَكُنْ النَّاظِرُ وَالْمُستنبطُ فيهما عَالِمًا باللُّغةِ وأَحْوَالِها مُحيطًا بأَسْرَارِهَا وَقَوانِيْنِهَا، تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النَّظرُ السَّليمُ فيها، ومِنْ ثَمَّ تعذَّر اِسْتنباطُ الأَحْكَامِ الشَّرعيَّةِ مِنْهَا، وَلِذلك صارَ النَّحْوُ شَرْطًا فِي رُتْبَةِ الاجْتهادِ [1] . وبسببِ مَوْقِعِ النَّحْوِ وَتَصدُّرِهِ الرُّتبةِ السَّنيَّةِ فِي العُلومِ صُنِّفَ ضِمْنَ الثَّلاثَةِ التي تكَوَّنَ عِلْمُ الأُصُولِ وَيَسْتَمِدُ مِنْهَا

(1) ينظر: الكوكب الدري، للإسنوي (ص 42) مقدمة المحقق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت