عُلُومِ الشَّريعَةِ بِعَامَّةٍ، وَعِلْمُ اَلْفِقْهِ بِخَاصَّةٍ ... يَجمعُ بينَ دَفَّتيهِ اَلْفُرُوعَ اَلْفِقهيَّةَ مُنَزَّلَةً عَلَى اَلْقَوَاعِدِ النَّحويَّةِ، وَبِهَذَا اَلْكِتَابُ خُرِّجَتْ اَلْفُرُوعُ اَلْفِقْهِيَّةُ مِنْ كُتُبِهَا اَلْخَاصَّةِ بِهَا وَخُرِّجَتْ اَلْقَوَاعِدُ اَلْنَّحْوِيَّةُ مِنْ كُتُبِهَا اَلْخَاصَّةِ بِهَا، وَتَعَانَقَتْ جَمِيْعًا فِي حُبٍّ وَوِدٍّ وَحَنَانٍ" [1] ."
وَلَمْ تَتوقَّفْ عَقَارِبُ السَّاعَةِ عِنْدَ هَذَا اَلْحَدِّ، بَلْ تَوَاصَلَ اَلْعَمَلُ وَتَضَافَرَتْ اَلْجُهُودُ فِي اِسْتِوَاءِ هَذَا اَلْفَنِّ وَاسْتِقْلالِهِ، فَكَانَ اَلدَّورُ بَعْدَ ذَلك عَلَى أَحَدِ أَئِمَّةِ اَلْفِقْهِ وَالأُصُولِ فِي اَلْمَذْهَبِ الحنبلي وهو أبو الحسن علاء الدين بن اللَّحَّام البعلي (ت 803 هـ) ، الذي صنَّفَ كتابه اَلْمَشهورَ وَالْمُتدَاوَلَ"القواعد والفوائد الأصولية وما يتعلق بها من الأحكام الشرعية"جمعَ فيه صاحَبُهُ مَادَّةً عَلميَّةً يغلُبُ عليها الطَّابَعُ الْفِقْهِيُّ اللُّغَوِيُّ، فهو ضَرْبٌ مِنْ التَّخريجِ لِلفُرُوعِ عَلَى الأُصُولِ النَّحويَّةِ، وَمِنْ ذلك كتابُ"زينة العرائس"كما مرَّ.
وبعدُ، فَإِنَّ افتقارَ الفقهِ لِلُّغَةِ وقواعِدِهَا أَمْرٌ تَنَبَّهَ إليه العُلَمَاءُ، وأَشَارُوا إِلَى أَهَمِّيتِهِ فِي بِنَاءِ اَلْفِقْهِ عَلى أُسُسٍ عَربيَّةٍ صَحِيْحَةٍ، تعملُ علَى تأْصِيلِ أَحْكَامِهِ، وَإِحْكَامِ مَعَانِيهِ ودلالاتِهِ، وتأكيدًا لهذا ما قاله ابن السيد البطليوسي (ت 521 هـ) :"إنَّ الطَّريقةَ الفِقْهيَّةَ مُفْتقرَةٌ إِلَى عِلْمِ الأَدَبِ، مُؤسَّسةٌ عَلَى أُصُولِ كَلامِ اَلْعَرَبِ" [2] .
والنَّاظِرُ فِي كُتُبِ الفُرُوعِ عَلَى مُستوَى اَلْمذَاهِبِ يُدْرِكُ دُوْنَ مُعَاناةٍ مَسائِلَ كثيرةً تقومُ أحكامُها علَى القَواعِدِ النَّحويَّةِ، خَاصَّةً منها كُتُبُ النَّووي (ت 676 هـ) من الشَّافعيَّةِ؛ كالْمَجمُوعِ، والرَّوضَةِ، وكُتُبُ ابن قدامة (ت 620 هـ) من الحنابلة؛ كالمغني شرح مختصر الخرقي، والمقنع، والكافي، وغيرها، ومصادر المالكية؛ منها: الذَّخيرةُ للقرافي (ت 684 هـ) ، والجواهر الثَّمينة في مذهب عالم المدينة لابن شاس (ت 616 هـ) ، وكتاب"الجامع الكبير"لمحمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) ، وهو عُمدةُ اَلْمَصادِرِ على الإطلاقِ فِي موضوعِ تخريجِ الفُرُوعِ الفِقهيَّةِ علَى القَواعِدِ النَّحويَّةِ. غير أنَّ هذه اَلْمصادِرَ وغيرها لا يُمكنُ حَصْرهُ في هذا المجال"تدبَّر كثيرًا من المسائل الفقهيةِ على أساسِ النّحو،"
(1) ينظر: الكوكب الدري، مقدمة المحقق (ص 145 - 146) .
(2) ينظر: الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، للبطليوسي، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية، 1403 هـ، (1/ 29) .