فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 80

ولكنَّها لا تنصُّ فِي كُلِّ فرعٍ فقهي استقرَّ عليه النَّظرُ على ما يُقابلُهُ من القَواعدِ النَّحويَّةِ التي استقرَّ النَّظرُ النَّحويُّ عليها [1] .

كان هذا في النِّهايةِ عاملًا أساسيًّا في افتراقِ الفقهِ عن القَواعِدِ النَّحويَّةِ، مِمَّا جعلَ كثيرًا منْ الباحثين يَستصعبُونَ عمليةَ الرَّبطِ بين الفُرُوعِ الفِقْهِيَّةِ والأُصُولِ النَّحويَّةِ، فكان لِزَامًا بعدَ ظُهورِ هذه الغُرْبَةِ بينَ عِلْمين مُترابطين أَنْ يَتَفَطَّنَ لَها النُّبغاءُ مِنْ فُقهائِنَا اَلْمُجتهدين ويعملوا على إِعَادَةِ البِنَاءِ إلى أَصْلِهِ، فكان أَنْ بَزَغَ إلى الوُجُودِ العِلْمِيِّ فَنٌّ مُستقلٌّ مَزَجَ بينَ الأُصُولِ والفُرُوعِ فِي كُتْلَةٍ مُوحَّدَةٍ دَلَّتْ عَلَى أَصَالَةِ فِقِهنا، ومكانةِ استمدَادِ قُدرَتِهِ الضَّارِبَةِ فِي أَعْمَالِ أُصُولِ تُراثِنَا وثَقَافَتِنَا الْخَالِدَةِ.

وكما مرَّ فقد كان الإمامُ محمد بن الحسن الشيباني (ت 189 هـ) أحدُ أبرز تلاميذ أبي حنيفة، فهو من أوائلِ مَنْ اشتغلَ بربطِ اَلْمَسائِلِ الفِقهيَّةِ بأُصُولِها النَّحويَّةِ، وذلك من خِلالِ كتابِ"الأيمانِ"مِنْ كتابِهِ الجليلِ"الجامِعِ الكبيرِ"، حيثُ أدارَ مَباحِثَ فِقْهيَّةً كثيرةً ومُتنوِّعةً علَى أُسُسٍ نَحويَّةٍ وَلُغويَّةٍ أَشَادَ بِها الزمخشري (ت 538 هـ) في كتابه"المفصل"، قال:"وهلّا سفَّهوا رأي محمد بن الحسن الشيباني فيما أودع كتاب الأيمان" [2] .

ثُمَّ علَّق ابن يعيش (ت 643 هـ) على كلام الزمخشري فقال:"وهو صاحب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهما،"

وذلك أنَّه ضمَّن كتابه المعروف بالجامع الكبير في كتاب الأيمان منه مسائل فقه تبتنى على أصول عربية، لا يتَّضحُ إلا لِمَنْ له قدمٌ راسخةٌ في هذا العلم، فمِنْ مَسائِلِهِ الغَامِضَةِ أنَّه قال: أيُّ عبيدِي ضَرَبَكَ فهُو حُرٌّ، فضربه الجميعُ عُتِقُوا، ولو قال: أَيُّ عبيدِي ضربته فهو حرٌّ، فضربَ الجميعَ لَمْ يُعْتقْ إلا الأَوَّلُ، فكلامُ هذا اَلْحَبْرِ مَسُوقٌ على كلامِ النَّحوِ فِي هذه المسألة" [3] . وقد أفاض الإسنوي في توجيه كلام الإمام محمد بن الحسن [4] ."

(1) ينظر: الكوكب الدري، للإسنوي، مقدمة المحقق (ص 146) .

(2) ينظر: المفصل في صنعة الإعراب، لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري، تحقيق: د. علي بو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، الطبعة الأولى، 1993 م، (1/ 19) .

(3) ينظر: شرح المفصل، لابن يعيش، مكتبة المتنبي، القاهرة، شرح خطبة المفصل (ص 14) .

(4) ينظر: الكوكب الدري، للإسنوي (ص 418 - 419) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت