وروى ياقوت (ت 626 هـ) في"معجم الأدباء"أَنَّ الفّرَّاءَ (ت 207 هـ) عالم النحو كان يومًا عند محمد ابن الحسن، فتذاكروا في الفقهِ والنَّحوِ، ففضَّلَ الفَرَّاءُ النَّحوَ على الفِقْهِ، وفَضَّلَ محمد بن الحسن اَلْفِقْهَ على النَّحوِ. فقالَ الفَرَّاءُ: قَلَّ رجلٌ أنعم النَّظرَ في العربيَّةِ وأراد علمًا آخرَ إلا سهَّل عليه. قال محمد الحسن: يا أبا زكريا، قد أنعمت النظر في العربية، وأسألك من باب الفقه، فقال: هاتِ على بركة الله تعالى، فقال له: ما تقولُ في رجلٍ صلَّى فَسَهَا في صلاته، وسجد سجدتي السهو فسها فيهما؟ فتفكَّر الفَرَّاءُ ساعةً، ثم قال: لا شيءٌ عليه. فقال له محمدُ: لِمَ؟ فقال: لأنَّ التَّصغيرَ عندنا ليس له تصغيرٌ، وإِنَّما سجدةُ السَّهوِ تَمامُ الصَّلاةِ، وليس للتَّمامِ تَمامٌ.
فقال محمد بن الحسن: ما ظننت أنَّ آدميًا يلدُ مثلك" [1] . فغاية الأمر فيه دلالة على أنَّ هناك تفاعلًا وتمازُجًا لا يُمكنُ إنكارُه بين الفقهِ والنَّحو؛ من حيثُ البناءِ والتَّخريجِ عُمومًا."
ويروي الزبيدي (ت 379 هـ) مُناظرةً بين الكسائي (ت 189 هـ) وأبي يوسف الفقيه الحنفي (ت 182 هـ) ، قال: دخل أبو يوسف على الرشيد ـ والكسائي يُمازحه ـ فقال له أبو يوسف: هذا الكوفيُّ قد استفرغك وغلب عليك، فقال: يا أبا يوسف إنَّه ليأتيني بأشياءَ يشتملُ عليها قلبي، فأقبل الكسائي على أبي يوسف فقال: يا أبا يوسف هل لك في مسألةٍ؟ قال: نحو أمْ فقه؟ قال: بل فقه، فضحك الرشيد حتى فحص برجله، ثم قال: تلقي على أبي يوسف فقهًا! قال: نعم، قال: يا أبا يوسف، ما تقول في رجل قال لامرأته: أنتِ طالقُ إِنْ دخلتِ الدَّارَ؟ قال: إِنْ دخلتْ الدَّارَ طُلِّقَتْ. قال: أخطأتَ يا أبا يوسف، فضحك الرشيدُ، ثم قال: كيف الصَّوابُ؟ قال: إذا قال"أن"فقد وجب الفعل، وإِنْ قال"إن"فلم يجبْ ولم يقعْ الطلاق. قال: فكان أبو يوسف بعدها لا يدعُ أن يأتي الكسائي [2] .
وذكر ابن هشام (ت 761 هـ) ما يُماثلُ هذا الذي يُنسبُ للكسائي، حيث يدير المسائل الفقهية على الأصول النحوية، ذلك أنَّ الرشيد كتب ليلة إلى القاضي أبي يوسف يسأله عن قوله:
(1) ينظر: معجم الأدباء، لياقوت الحموي، دار المأمون، القاهرة، 1355 هـ، (1/ 15) ، وأصول النحو، للأفغاني (ص 105) ، ومقدمة الكوكب الدري للمحقق (ص 46) .
(2) ينظر: طبقات النحويين واللُّغويين، للزبيدي، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار المعارف، القاهرة، ط 2 (ص 127) .