فَإِنْ تَرْفَقِي يَا هِنْدُ فَالرفقُ أيمنُ ... وَإِنْ تَخْرُقِي يَا هِنْدُ فَالخَرقُ أَشْأَمُ
فَأَنْتِ طَالقٌ والطَّلاقُ عَزِيْمَةٌ ... ثَلاثٌ، وَمَنْ يَخْرقْ، أَعقّ وأظلمُ
فقال: ما يلزمه إذا رفع الثلاث ونصبها؟! قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، ولا آمن الخطأ إن قلت فيها برأيي، فأتيت الكسائي وهو في فراشه، فقال: إِنْ رفع"ثلاث"طلقت واحدة، لأنَّه قال:"أنت طالقُ"ثم أخبر أنَّ الطَّلاقَ التَّامَّ ثلاثٌ، وإِنْ نصبها طلقت ثلاثًا، لأنَّ معناها أنت طالق ثلاثًا، وما بينهما جملة معترضة، فكتبت بذلك إلى الرشيد، فأرسل بجوائز، فوجهت بِها إلى الكسائي". [1] "
ففي هذه الحادثة انكشف التفاعل الحقيقي بين النحو والفقه، وتقاسما الدور في حلِّ القضايا الشَّائكة التي تعترضُ الناس عامَّةً، فالقاضي أبو يوسف لجلالته في الفقه يعلمنا أن قضاياه بحاجة إلى علم النحو لفك ألغازها وإشكالاتها. ولشدة تأثر الفقهاء بالنُّحاة نجد مثلًا أنَّ"الحنفيَّةَ مُوافقون لنُحاةِ الكوفةِ، إِذْ ذهبوا إلى أنَّ قولك: قام القوم إلا زيدًا، معناه الإخبار بالقيام عن القوم الذين فيهم زيد، وزيدٌ مسكوتٌ عنه لم يحكم عليه بقيامٍ ولا بنفيٍ. وأبو حنيفة كوفي، فلهذا كان مذهبه كذلك" [2] .
وكما مرَّ فعِلْمُ أُصُولِ الفِقْهِ إِنَّما هو أَدِلَّةُ الفِقْهِ، وأدلةُ الفقهِ إِنَّما هي الكتابُ والسُّنةُ، وهذان المصدران عربيان، فإذا لم يكنْ الناظر فيهما عالِمًا باللغةِ العربية وأحوالها، مُحيطًا بأسرارها وقوانينها تعذَّر عليه النَّظرُ السَّليمُ فيهما، ومِنْ ثَمَّ تعذَّرَ استنباطُ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ [3] منهما؛ ولذا يقول الشافعي:"مَنْ تبحَّرَ فِي النَّحو اهتدى إلى كُلِّ العُلُومِ"، وقال أيضًا:"لا أُسأل عن مسألة من مسائل الفقه إلا أجبت عنها من قواعد النحو" [4] ، وقال أيضًا:"ما أردت بها- يعني العربية - إلا"
(1) ينظر: مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لابن هشام الأنصاري، تحقيق: د. مازن المبارك ومحمد علي حمد الله، دار الفكر، بيروت، الطبعة السادسة، 1985 م، (1/ 76، 77) .
(2) البحر المحيط في أصول الفقه، لبدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، تحقيق: محمد محمد تامر، دار الكتب
العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1421 هـ / 2000 م، (2/ 438) .
(3) ينظر: الكوكب الدري، للإسنوي، (ص 45) .
(4) ينظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب، لابن العماد الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت (ص 231) .