وأخذ الشافعي باليقين، فأوجب أقلَّ ما يقع عليه اسم المسح، وأخذ أبو حنيفة ببيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وهو ما رُوِيَ: «أنَّه مَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ» [1] ، وقدَّر النَّاصيةَ بِرُبْعِ الرَّأسِ" [2] ."
وتعقَّبهم ابن برهان بقوله: مَنْ زَعَمَ أَنَّ الباءَ تفيدُ التَّبعيضَ فقدْ جاءَ أَهْلُ اللُّغة بما لا يعرفونه. وأنكره سيبويه [3] . وقال القرطبي:"الباءُ للتَّعديةِ يَجُوزُ حَذْفُهَا وَإِثْبَاتُها، كقولك: مَسَحْتُ رَأْسَ اَلْيَتِيْمِ ومَسَحَتُ بِرَأْسِهِ" [4] .وقال ابن قدامة:"الباءُ للإِلْصَاقِ، فكأنَّهُ قالَ: «وَامْسَحُوا رُؤُوسَكُمْ» ؛ أَيْ: اِمْسَحُوا جَمِيْعَ اَلرَّأسِ" [5] .
وقال الشَّافعيُّ: احتمل قوله تعالى: {وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ} جميعَ الرَّأسِ أَوْ بَعْضَهُ، فَدَلَّت اَلسُّنةُ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُ يُجْزِيءُ. [6] وقد قال بعضهم: إن الباء للتبعيض في قوله تعالى: {وامْسَحُوا برُؤُوسِكُمْ} وقالوا: غلطٌ، والباء هاهنا صلةٌ لتعدية الفعلِ. قاله الخطَّابِي.
وقال المَاوردى: البَاءُ موضوعةٌ لإلصاقِ الفِعْلِ بِالمفعُولِ؛ كقولك: مَسَحْتُ يَدِي بِالْمِنديلِ، وكتبتُ بِالقَلَمِ، وَقَدْ تُستعملُ فِي التَّبعيضِ إذَا أمكنَ حُذْفُهَا؛ كقوله تعالى: {وامْسَحُوا برُؤُوسِكُم} ؛ أى: بعضَ رُءوسكم، وهُو حقيقةٌ في بعضِ أصحابِ الشَّافعي، مَجازٌ فِي قَوْلِ الأكثرين [7] .
(1) الحديث أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (20/ 428) رقم (1036) ، وفي سنن الترمذي (1/ 170) رقم (100) .
(2) الكشاف: للزمخشري (1/ 596) .
(3) ينظر: المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل الشيباني، لابن قدامة المقدسي، دار الفكر، بيروت، الأولى، 1405 هـ (1/ 141) ، وشرح الزركشي على مختصر الخرقي، للزركشي المصري الحنبلي، قدم له ووضع حواشيه: عبد المنعم خليل إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1423 هـ - 2002 م (1/ 40) .
(4) تفسير القرطبي (3/ 351) ، وينظر: فتح القدير (2/ 25) ، وفتح البيان في مقاصد القرآن، للقِنَّوجي، قدّم له وراجعه: عَبد الله بن إبراهيم الأنصَاري، المَكتبة العصريَّة للطبَاعة والنّشْر، صَيدَا، بَيروت، 1412 هـ / 1992 م (3/ 361) .
(5) المغني، لابن قدامة (1/ 141) .
(6) الجامع لأحكام الصلاة، لعويضة (1/ 380) .
(7) ينظر: قواطع الأدلة في الأصول، للسمعانى (1/ 28) .