فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 80

إِلاهًا، كَمَا يُسَمَّى الرَّجُلُ إِمَامًا إِذَا أَمَّ النَّاسَ فَأْتَمُّوا بِهِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَمَّا كَانَ اسْمًا لِعَظِيمٍ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ أَرَادُوا تَفْخِيمَهُ بِالتَّعْرِيفِ الَّذِي هُوَ الأَلِفُ وَاللامُ، لأَنَّهُمْ أَفْرَدُوهُ بِهَذَا الاسْمِ دُونَ غَيْرِهِ فَقَالُوا: الإِلَهُ، وَاسْتَثْقَلُوا الْهَمْزَةَ فِي كَلِمَةٍ يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُمْ إِيَّاهَا، وَلِلْهَمْزَةِ فِي وَسَطِ الْكَلامِ ضَغْطَةٌ شَدِيدَةٌ، فَحَذَفُوهَا فَصَارَ الاسْمُ كَمَا نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ. وقالَ الكِسَائِي والفَرَّاءُ: أَصْلُهُ الإِلَهُ، حَذَفُوا الهمزة وأدغموا اللام الأولى في الثانية. وعلى هذا فالصَّحيحُ أنَّهُ مُشْتِقٌّ مِنْ أَلِهَ [1] .

ورجَّحَّ القَولَ بالاشتقاقِ ابنُ جرير الطبري وابن القيم.

وأرادُوا بالاشْتقَاقِ: اَلْمجَازيَّ، وهُو مُلاحَظَةُ اَلْمَعَانِي وَتَقَارُبِها، لا الحقيقيَّ؛ لِمَا فيه من الإيهامِ؛ وهو أَسبقيَّةُ اَلْمُشتقِّ مِنْهُ عَلَى اَلْمُشتقِّ، وَأَسْماءُ اللهِ كُلُّها قديمةٌ. وقالوا: إِنَّ اِسْمهُ تعالى «الله» دالٌ على صِفَةٍ لَهُ سُبحانَهُ وهي الإِلَهِيَّةُ أَوْ الأُلُوهِيَّةُ كَسَائِرِ أَسْمائِهِ اَلْحُسنى؛ كالعَلِيمِ وَالقَدِيرِ، والسَّميعِ والبَصِيرِ، ونحو ذلك، فإِنَّ هَذِه الأَسْماءَ مُشتقَّةٌ مِنْ مَصَادِرِهَا، وهِي قديمةٌ. وهم لا يعنُونَ بالاشْتقاقِ إلا اَلْمُلاقَاةَ التَّامَّةَ لِلمصدرِ فِي اللَّفظِ واَلْمَعنى، لا أَنَّها مُتولِّدَةٌ عَنْهَا تَوَلُّدَ الفَرْعِ مِنْ الأَصْلِ. حتَّى النُّحاةُ عندما يُسمُّون اَلْمَصدرَ وَالْمُشتقَّ منه أصلًا وفرعًا إِنَّما يعنُون أَنَّ أحدهُما يتضمَّنُ الآخرَ وزيادةً، لا أَنَّ أَحدَهُما مُتولِّدٌ مِنْ الآخرِ. ويُؤكِّدُ ابن جرير الطبري (ت 310 هـ) في تفسيره أَصْلَ الاشْتقاقِ فيقولُ: وأَمَّا تَأويلُ «الله» فإِنَّهُ عَلَى مَعْنَى مَا رُويَ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، قالَ: «هُو الَّذي يُؤلِّهَهُ كُلُّ شَيءٍ وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ» . وقالَ: «الله» ذُو الأُلُوهِيَّةِ والعُبوديَّةِ عَلَى خَلْقِهِ أَجْمعين. ومع تَعَدُّدِ الأَقْوَالِ الوَارِدَةِ فِي الاشْتقاقِ من أَلِه، ووَلِهَ، ولاهَ؛ فإنَّ حُجُجَ الاشْتقاقِ لِهذَا الاسْمِ العَظيمِ «الله» ثلاثةٌ:

(1) ينظر: الأسماء والصفات، للبيهقي، تحقيق: عبد الله بن محمد الحاشدي، مكتبة السوادي، جدة، الطبعة الأولى، (1/ 58) ، ومعارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول، لحافظ بن أحمد حكمي، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، الطبعة الأولى، 1410 ه /1990 م (1/ 67) ، وأيسر التفاسير لكلام العلي الكبير، ل جابر أبي بكر الجزائري، مكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الخامسة، 1424 هـ/2003 م (1/ 11) ، والمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية الأندلسي، تحقيق: عبد السلام عبد الشافي محمد، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1413 هـ / 1993 م، الطبعة الأولى (1/ 56) ، وتفسير الماوردى، للماوردي، تحقيق: السيد بن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان (1/ 50) ، وتفسير ابن كثير (1/ 29) ، وتفسير الخازن، للخازن، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1399 هـ /1979 م (1/ 17) ، وتفسير القرطبي (1/ 103) ، وزاد المسير في علم التفسير، لعبد الرحمن الجوزي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1404 هـ (1/ 9) ، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت