وقال آخر:
يلومونني أن بعت بالرخص منزلًا ... ولم يعرفوا جارًا هناك يُنَغِّصُ
فقلت لهم: كفوا الملام؛ فإنها ... بجيرانها تغلو الديارُ وترخصُ [1]
وقال آخر:
واترك محلَّ السوءِ لا تَنْزِلْ به ... وإذا نبا بك منزلٌ فتحوَّل
دارُ الهوانِ لمن رآها دارَهُ ... أفراحلٌ عنها كمن لم يرحلِ [2]
39_قلة الوفاء للجار بعد الرحيل: فمن الناس من ينسى جيرانه بعد أن يرحل عنهم، أو بعد أن يرحلوا عنه.
والمروءة تقضي بأن تكون وفيًَّا لجارك، فمن الوفاء له ألا تنساه بعد رحيله عنك، أو رحيلك عنه، وأن تتواصل معه بالزيارة، والهدية، أو المهاتفة، أو نحو ذلك مما يبقي على حبال المودة.
ومن الوفاء له ذكره بالخير، والثناء عليه بعد انقضاء مدة الجوار، خصوصًا إذا كان من المحسنين.
قال النابغة الذبياني:
لا يَبْعَدِ الله جيرانًا تَرَكْتُهُمُ ... مثلَ المصابيح تجلو ليلة الظلم
لا يَبْرَمون إذا ما الأفق جلَّلَه ... بردُ الشتاء من الإمحال كالأَدَمِ [3]
ومن المروءة أن تعرض عن ذكر ما تعرف عن جيرانك من السوء بعد أن تفارقهم؛ فذلك من حسن التذمم، وجميل الوفاء.
(1) بهجة المجالس 1/ 291، والآداب الشرعية 2/ 18.
(2) الأصمعيات ص 229.
(3) ديوان النابغة الذبياني ص 75.