وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:"لا؛ حتى أكون أحب إليك من ... نفسك" [1] أي لا تؤمن حتى تصل محبتك ليّ إلى هذه الغاية.
وإذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى بنا من أنفسنا بالمحبة ولوازمها؛ أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جدُّه ولا إله غيره أولى بمحبة عباده من أنفسهم؟! وكل ما وصل منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته و محبة ما يحبه، وكراهة ما يكرهه.
فعطاؤه ومنعه، ومعافاته وابتلائه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، وأماتته وإحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته وإحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، وإجابته لدعائه، وكشف كربه، وإغاثة لهفته، وتفريج كربته؛ من غير حاجة منه إليه، بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه، كل ذلك داع للقلوب إلى تألهه ومحبته، بل تمكينه عبده من معصيته، وإعانته عليها، وستره حتى يقضي وطره منها، وكلاءته وحراسته له، وهو يقضي وطره من معصيته؛ وهو يعينه ويستعين عليها بنعمه: من أقوى الدواعي إلى محبته.
فلو أن مخلوقًا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك؛ لم يملك قلبه عن محبته؛ فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الأنفاس مع إساءته؛ فخيره إليه نازل، وشره إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه، وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي، وهو فقير إليه؛ فلا إحسانه وبره وإنعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه؟!
فألأم اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه وتعلقها بمحبة سواه!!
وأيضا: فكل من تحبه من الخلق أو يحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والرب سبحانه وتعالى يريدك لك، فكيف لا يستحيي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة؛ وهو معرض عنه، مشغول بحب غيره؛ وقد استغرق قلبه محبة ما سواه؟!
(1) أخرجه البخاري (6632) من حديث عبد الله بن هشام رضي الله عنه.