وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه لغيره، فانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة.
وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة ومن لا غيرة له لا دين له.
فالغيرة تحمي القلب، فتحمي له الجوارح، فتدفع السوء والفواحش. وعدم الغيرة تميت القلب، فتموت الجوارح، فلا يبقى عندها دفع البتة.
ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه؛ فإذا ذهبت القوة؛ وجد الداء المحل قابلا، ولم يجد دافعا، فتمكّن، فكان الهلاك.
ومثلها مثل صياصي الجاموس [1] التي تدفع بها عن نفسه وولده؛ فإذا كُسِرتْ طمع فيه عدوه.
ومن عقوبات الذنوب: أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد، ولابد شاء أم أبى، ولو تمكن وقار الله وعظمته في قلب العبد لما تجرأ على معاصيه.
وكفى بالعاصي عقوبة أن يضمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله، وتعظيم حرماته، ويهون عليه حقه.
ومن بعض عقوبة هذا: أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق، ويهون عليهم، ويستخفون به؛ كما هان عليه أمره واستخف به؛ فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه الله وحرماته يعظمه الناس.
وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع أن لا ينتهك الناس حرماته؟!
أم كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟!
أم كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟! ولهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له {ومن يهن الله فماله من مكرم} [الحج:18] فإنهم لما هان عليهم السجود له، واستخفوا به، ولم يفعلوه؛ أهانهم الله؛ فلم يكن لهم من مكرم بعد إن أهانهم، ومن ذا يكرم من أهانه الله؟! أو يهن من أكرمه الله؟!
ومن عقوباتها: أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة.
(1) صياصي الجاموس: قرونه، مفردها صيصة.