فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 89

وإذا استنار القلب؛ أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية؛ كما أنه إذا أظلم؛ أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان؛ فما شئت من بدع، وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة؛ فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب؛ فإذا فُقِد ذلك النور؛ بقى صاحبه كالأعمى الذي يجوس [1] في حنادس الظلمات. [2]

السادسة: أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والبطل والصادق والكاذب.

وكان شاه بن شجاع الكرماني يقول: (من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشهوات، واغتذى بالحلال لم تخط له فراسة) [3] .

وكان [ابن] شجاع هذا؛ لا تخطيء له فراسة. [4]

والله سبحانه يجزي العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا؛ عوضه الله خيرا منه.

فإذا غض بصره عن محارم الله؛ عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضة عن حبسه بصره لله، ويفتح له باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرة القلب.

وضدُّ هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيرة، فقال تعالى: {لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون} [الحجر:72] فوصفهم بالسكرة التي هي فساد العقل وعمه الذي هو فساد البصيرة.

فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة وسكر القلب؛ كما قال القائل:

سَكْرانُ سُكْرَ هوىً وسُكْرَ مُدامَةٍ ... ومتى إفاقةُ مَنْ بهِ سُكْران

وقال الآخر:

قالوا جُننْت بِمَنْ تهوى فقلتُ لَهُمْ ... العشقُ أعظمُ مِمَّا بالمَجانين

العشقُ لا يستفيقُ الدَّهْرُ صاحِبُهُ ... وإنَّما يُصْرعُ المَجنونُ في الحين

السابعة: إنه يورث القلب ثباتًا وشجاعة وقوة.

(1) الجَوْس: طلب الشيء باستقصاء، والتردد والطواف خلال البيوت والدور في الغارة.

(2) الحِنْدس: الظلمة، والليل المظلم.

(3) انظر: حلية الأولياء (10/ 237) .

(4) انظر: حلية الأولياء (10/ 237) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت