حسبه دلائل، وهي في الواقع لا ترقى إلى الشبه [1] ، ونظرة واحدة من مؤمن منصف كافية بإقناعه بأن الحق واحد لا يتعدد، وأن ما تواتر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يمكن دفعه إلا بالإلحاد والجحود، ولما كان أبو البيض يحاول دائما أن يأتي بجديد، وأن لا يقتصر على المعروف عند الناس، فقد أوحى إليه الشيطان أن يأتي بفاقرة حالقة للدين والإيمان الحق، وهي زعمه أن الصلاة بالمساجد الخالية من القبور ليست كالصلاة في الزوايا والمقابر لفقدانها التأسي بالمسجد النبوي في الصورة، وهو يعلم -عامله الله بما يستحق- أن إدخال القبر المقدس لمسجد، كان لسبب سياسي، وعلى يد بني أمية الذين يتقرب إلى الله تعالى ببغضهم ولعنهم، ولكنهم لما وافقوا هواه، أقر فعلهم وجعله قربة وعبادة يُقتدى بها، فانظر كيف يفعل الهوى والضلال بأهله، عياذا بالله، وقد رأيته يختار في رسالة إلى أبي الفتوح مذهب الإمام مالك رحمه الله في تأويل النهي عن الجلوس على القبور [2] ، بأنه الجلوس للتغوط لا غير، ولا أدري ما يفعل بحديث الوَطْء (لأن يطأ الرجل على جمرة .. ) [3] والوطء يكون بالأقدام، فهل جعل الأقدام تتغوط كالأدبار!!.
وكنت سألته مباشرة عن تناقضه في رسالته"الاستنفار للتشبه بالكفار"حيث عقد بابًا في تحريم اتخاذ المساجد على القبور لعلة التشبه بالكفار [4] ، فتردد واضطرب، وأشار إلى أن المدار على القصد والنية، فكان عذرا أقبح من الزلة كما يقال، ولعل ظهور البطلان فيما ذهب إليه هو الذي حذا بأبي الفتوح إلى مخالفته في هذه المسألة، وليته نهج هذا المنهج السليم في سائر موبقاته، وفيها ما هو أبشع وأفظع، ولكنها الزاوية والطريقة والحفاظ على طقوسها الوثنية، وصدق الله العظيم: (إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء) .
(1) انظر إحياء المقبور 57. ط دار لوران - الإسكندرية.
(2) رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رقم: 1612.
(3) رواه أبو نعيم في حلية الأولياء 3/ 250.
(4) وأورد فيه حديث أبي الهياج الأسدي. انظر الاستنفار بتهذيب عبد الله التليدي 40 - 41.